النقاش اللغوي ووهم الأقلية
الكاتب: مصطفى أغون - ترجمة د. منصور بن عوف
الأحد 9 أوت 2026 lequotidien d’oron
عندما نتحدث باسم الجزائر، علينا أولاً أن نتساءل عمن نمثل. هذا السؤال، الذي غالبًا ما يُنسى، هو مع ذلك أمرٌ أساسي لكي تكون النقاشات العامة بناءة.
إن العديد من الخبراء والصحفيين أو الناشطين يعتقدون بأن رؤيتهم الخاصة للعالم تتطابق مع رؤية البلد بأسره. فهم يعتمدون على بيئتهم الإعلامية أو الأكاديمية أو السياسية أو الثقافية، لدرجة أنهم يعتقدون أن وجهة نظرهم هي وجهة نظر الأمة بأكملها. تفسر العلوم الاجتماعية هذه الظاهرة تفسيرًا جيدًا. فكل مجموعة بشرية تميل إلى اعتبار بيئتها الخاصة هي المعيار تبدو الأفكار التي تتداول فيها يومياً بديهية، وتبدو الأفكار المخالفة لها غريبة أو مستحيلة.
ومع ذلك، عندما ننظر إلى المجتمع ككل، خارج هذه الدوائر، غالباً ما تكون الحقيقة مختلفة. الجزائر ليست مجرد شبكات التواصل الاجتماعي، أو برامج التلفزيون، أو الصحف، أو المناقشات الأكاديمية. بل هي أيضًا العائلات، والقرى، والآلاف من المدن الصغيرة، والمناطق الريفية، والجنوب، وملايين الأشخاص الذين لا يتحدثون غالبًا في وسائل الإعلام. فلهذه الأغلبية آراؤها، لكنها تعبر عنها بطريقة مختلفة، بوتيرتها الخاصة وباهتمامات أخرى.
يظهر هذا الاختلاف بشكل خاص عند تناول مسألة اللغة الفرنسية. بالطبع، هناك جزائريون يتحدثون الفرنسية. وهي لغة لا تزال مستخدمة في بعض الدوائر الإدارية، أو للوصول إلى جزء من الأدب أو الأبحاث، أو في بعض المهن. لكن هذا لا يعني وجود ارتباط ثقافي أو عاطفي بالنموذج الفرنسي. فكون المرء ناطقاً بالفرنسية لا يعني بالضرورة أنه من محبي فرنسا. فالأول مهارة، والثاني تفضيل ثقافي، يرتبط أحياناً بالتاريخ أو بمسار شخصي. وهذا تمييز مهم يسلط الضوء على نقاش مستمر في الجزائر.
عندما يجعل أحد المثقفين الدفاع عن اللغة الفرنسية أولوية وطنية، فإنه لا يمثل بالضرورة غالبية الجزائريين. إنه يعبّر في المقام الأول عن قناعته الشخصية، وهي قناعة جديرة بالاحترام، لكنها تنتمي إلى تيار فكري معين. المشكلة ليست في وجود هذا الرأي، بل في تقديمه على أنه الخيار الوحيد المفيد للبلاد أو الصوت الطبيعي للمجتمع الجزائري. في الواقع، يتجاوز الرهان مسألة اللغة الفرنسية بكثير. لا ينبغي أن تسترشد السياسة اللغوية بالحنين إلى الماضي، أو التعلق بثقافة ما، أو بتاريخ شخصي. بل يجب أن تلبي احتياجات البلد المستقبلية.
فاللغات التي تختارها الأمة ستُدرَّس بناءً على المعرفة التي تتيحها، والفرص المهنية التي تفتحها، و التقنيات التي تجعلها في متناول اليد، والآفاق التي توفرها لشبابها مع الحفاظ على ثوابت الأمة.
في هذا السياق، نلاحظ اتجاهاً عالمياً واضحاً. ففي مجالات العلوم، والذكاء الاصطناعي، والمنشورات الأكاديمية، والتكنولوجيات الرقمية، وبراءات الاختراع، واقتصاد الابتكار، والتبادلات الدولية، أصبحت اللغة الإنجليزية اللغة الرئيسية لإنتاج ونشر المعرفة. وهذا ليس مسألة أيديولوجية ولا موضة عابرة، بل انعكاس لواقع فكري وعلمي واقتصادي عالمي. لذا، لم يعد السؤال الحقيقي هو معرفة اللغة التي نفضلها، بل اللغة التي ستوفر للأجيال المستقبلية أفضل الفرص للوصول إلى المعرفة - إلى جانب اللغات الوطنية التي يجب الحفاظ عليها -وإلى الابتكار والمنافسة الدولية. فلا يجب أن تستند السياسة اللغوية المعقولة إلى تفضيلات جيل معين أو نخبة أو تيار معين، بل يجب أن تُصمم من أجل الأجيال القادمة.
ولهذا السبب، فإن النقاشات الحامية حول اللغة الفرنسية تعطي أحيانًا انطباعًا بأنها تتطلع إلى الماضي بدلًا من المستقبل. بالنسبة لبعض المدافعين الأكثر حماسًا عن هذه اللغة، لم يعد الأمر يقتصر على الحفاظ على لغة عمل فحسب، بل يمتد أيضًا إلى الحفاظ على رابط ثقافي قديم، وعالم فكري يرتبطون به ارتباطًا وثيقًا. هذه الولاء أمر مشروع تمامًا على المستوى الفردي. لكنه يصبح موضع نقاش عندما يسعى إلى تحديد الأولويات الاستراتيجية لبلد بأكمله.
ملاحظة مترجم المقال: قلم وثقافة الكاتب فرنسية، غير أنه كان صائبا وموضوعيا.
التعليقات