ضرار بن عمرو: حياته وآراؤه الكلامية

مقدمة

يُعد ضرار بن عمرو من أبرز المتكلمين في القرن الثاني الهجري، وقد اشتهر بمخالفة المعتزلة وأهل الحديث في عدد من المسائل العقدية، مما جعله من أكثر الشخصيات إثارةً للجدل في تاريخ علم الكلام. وفي هذا المقال نستعرض سيرته وأهم آرائه ومؤلفاته.

سيرة ضرار بن عمرو

كان ضرار بن عمرو من قضاة المعتزلة، وولد في الكوفة، وكان تلميذًا لواصل بن عطاء، ولكنه فيما بعد اختلف مع أستاذه والمعتزلة في عديد من المسائل، كمسألة الجبر وغيرها، وبهذا الموقف شابه أستاذه واصلًا في تركه لحلقة الحسن البصري، إلا أنه باختلافه مع المعتزلة اعتبروه خارجًا عنهم.

فيقول أبو القاسم البلخي، أحد متكلمي المعتزلة البغداديين:

««وليس تلزم سمة الاعتزال لمن خالف التوحيد والعدل وإن قال بالمنزلة بين المنزلتين، كضرار وأصحابه.»»

ويتفق الحاكم الجشمي المعتزلي مع البلخي، فيقول:

««وكان ضرار هذا يأخذ من المعتزلة ثم خالفهم، وتبرأت منه المعتزلة.»»

ومن الباحثين أيضًا زهدي جار الله، ففي كتابه الشهير المعتزلة، عند ذكره لفرق المعتزلة، لم يذكر الضرارية ضمن فرق المعتزلة، مما يدل على اتفاقه معهم في هذا التقييم.

ولم تقتصر أزمة ضرار مع المعتزلة، بل امتدت إلى أهل الحديث أيضًا.

فيحكي حنبل بن إسحاق قائلًا:

««دخلت على ضرار ببغداد، وكان مشوهًا وبه فالج، وكان معتزليًا، فأنكر الجنة والنار، وقال: اختلف فيهما هل خلقتا بعد أم لا؟ فوثب عليه أصحاب الحديث، وضربوه.»»

كما حرض عليه أحمد بن حنبل بعد أن أنكر وجود الجنة والنار حاليًا، فيروي المروذي عن أحمد بن حنبل:

««شهدت على ضرار بن عمرو عند سعيد بن عبد الرحمن، فأمر بضرب عنقه، فهرب.»»

ويقال إنه هرب من يحيى بن خالد البرمكي حتى مات. ويعلق الذهبي على ذلك بقوله إن هذا يدل على أن وفاته كانت في أيام هارون الرشيد.

ويذكر أبو علي الجبائي في كتاب المقالات أنه تاب في نهاية عمره على يد علي الأسواري، أحد شيوخ المعتزلة، مما قد يشير إلى رضا المعتزلة عنه في آخر حياته.

آراء وأفكار ضرار بن عمرو

آراؤه اللاهوتية

خالف ضرار بن عمرو جميع المعتزلة في مسألة رؤية الله في الآخرة، ورأى أن الله يوم القيامة سيخلق حاسة سادسة للمؤمنين حتى يتمكنوا من رؤيته.

ومن رأيي أن هذا القول لا يقوم على دليل صريح، ويبدو وكأن ضرار حاول التوفيق بين مذهب أهل الحديث القائل بوجوب الإيمان برؤية الله في الآخرة اعتمادًا على الأحاديث الواردة في ذلك، وبين المعتزلة النافين للرؤية لاستحالتها العقلية، لكون الله لا تحيط به الأبصار، فخرج بهذا الرأي.

آراؤه في الحياة بعد الموت

أنكر ضرار بن عمرو مسألة عذاب القبر، مخالفًا بذلك جمهور المعتزلة.

يقول ابن حزم في هذه المسألة:

««وذهب أهل السنة وبشر بن المعتمر والجبائي وسائر المعتزلة إلى القول بعذاب القبر، وبه نقول لصحة الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.»»

ويمكن إضافة عدد من الأدلة التي استند إليها النافون لعذاب القبر، مثل قوله تعالى:

«﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ۝ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾»

وقوله تعالى:

«﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾»

وقوله تعالى:

«﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾»

مسألة وجود الجنة والنار الآن

أنكر ضرار وجود الجنة والنار حاليًا، وقال إنهما يخلقان يوم القيامة.

وقد كان هذا الرأي سببًا في تعرضه للضرب من أهل الحديث، بل وحرض أحمد بن حنبل على إقامة حد الردة عليه.

ومن أبرز الأدلة التي استند إليها من قال إن الجنة والنار لم تخلقا بعد قوله تعالى على لسان امرأة فرعون:

«﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾»

كما احتجوا بأنه لا تظهر فائدة من خلقهما في الوقت الحالي.

أفعال العباد

يرى ضرار مسألة الجبر في أفعال العباد، ولا يقول بحرية الإرادة كباقي المعتزلة، وهنا يقترب من الجهمية والأشاعرة.

ويترتب على ذلك رأيه في العلاقة بين الأسباب ومسبباتها، إذ يرى أن العلاقة بين السبب والمسبب ليست علاقة تأثير حقيقي، وإنما المؤثر الوحيد هو الله تعالى.

آراؤه في فقه السياسة

يرى ضرار بن عمرو أن قريشًا ليست أولى الناس بالخلافة كما قالت أهل السنة، بل ذهب إلى أنه لو اختير بين رجل قرشي وآخر حبشي، فإن الأولى بالإمامة هو الحبشي؛ لأنه سيكون أسهل في العزل إذا ظلم أو فسق.

كتاب التحريش لضرار بن عمرو

ألّف ضرار بن عمرو عددًا من الكتب، مثل كتاب التوحيد والرد على الملحدين وغيرها، إلا أنه لم يصل إلينا من مؤلفاته سوى كتاب التحريش.

وتعود تسمية الكتاب إلى مفهوم "التحريش" في اللغة، وهو إثارة العداوة والبغضاء وتأليب النفوس، وقد سُمِّي بذلك لأن مؤلفه جمع فيه الروايات التي تستند إليها الفرق الإسلامية المختلفة في مناظراتها لإثبات صحة مذهبها.

وقد انتهج ضرار في هذا الكتاب أسلوبًا أدبيًا مميزًا، إذ يصور جماعة من الناس يذهبون إلى فقيه يسألونه عن مسألة خلافية، فيعرض رأيه ويؤكد أنه الحق ويحذر من مخالفيه، ثم يعرض الرأي المقابل بالطريقة نفسها، مع أدلته، حتى يشعر القارئ بأن كل فرقة تدعي امتلاك الحقيقة.

ومن أهم أفكار الكتاب:

- أن أول خلاف وقع في الأمة كان بسبب قتال الصحابة واختلاف الناس في الحكم عليهم.

- أن من أهم أسباب الخلاف والضلال لجوء الناس إلى الفقهاء، وشبّه ذلك بلجوء اليهود إلى السامري، والنصارى إلى بولس.

- اتهامه بعض الفقهاء باختراع أحاديث – من وجهة نظره – مثل: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة»، وحديث: «لا يدخل أحد الجنة بعمله»، لإرضاء الفجار وشاربي الخمر والسلاطين.

- كما يوجه نقدًا شديدًا لرجال الدين، ويرى أن كل فرقة تجعل نفسها ممثلة للحق، وتصف مخالفيها بالبدعة والضلال.

خاتمة

تكشف آراء ضرار بن عمرو عن شخصية فكرية مستقلة تركت أثرًا في تاريخ علم الكلام، ورغم ما تعرض له من نقد وخلاف، فإن دراسة فكره تُسهم في فهم تنوع الاتجاهات الكلامية في الإسلام المبكر.

المصادر والمراجع

سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي.

الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم.

اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، فخر الدين الرازي.

مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، أبو الحسن الأشعري. �

كتاب التحريش، تحقيق: د. حسين خانصو، ود. محمد مسكين، شركة دار الإرشاد.

الدرر السنية الموسوعة العقدية.


ياليت عندنا دراسات اكثر تستكشف فكر المعتزلة او تراثنا المنسي و المختلف ...حيث يفوتنا الكثير اذا انفصلنا عن أراء ومشاركات القدماء وابداعاتهم ...طبع وتحقيق المخطوطات يجب ان يحصل علي دعم واهتمام كبير