رغم أننا نعتقد في بادئ الأمر أن إنفصالنا عن اولئك الذين يعنون لنا بشدة هو أمر بالغ الصعوبة ويتجاوز قدراتنا على التكيف.

إلا أنه في الحقيقة، علاقاتنا الآمنة تجعلنا محدودين، و اكتفائنا العاطفي بأشخاص بعينهم يجعلنا بالغي الهشاشة

فعندما تلقي بنا الظروف في عالم يخلو منهم، نجد أنفسنا نتفتح ببطئ، لنصل لذروة تألقنا، وأفضل نسخنا على الإطلاق.

ولكن لماذا؟ لماذا نصبح أكثر ارتياحا عندما يحدث ذلك؟

يشبه الأمر الفرخ في البيضة، فالفرخ في بيضته الرطبة الدافئة، يعتقد أنه مكتمل تماما، وأن لا شيئ في الدنيا يساوي هذا الثبات والأمان الذي يمتلكه

يظن أن خارج هذه القشرة الهشة ينتظره الضياع، الوحدة، الخطر.

ولكن ما لا يعلمه الطائر، أنه ما إن تتصدع القشرة التي تفصله عن العالم، يعرف النور طريقه اليه لأول مرة.

وعندما يخرج منها، وهو يترنح على أرجله الهزيلة، يكتشف الفضاء الشاسع، الذي اختبئ منه طويلا في بيضته، والذي يبدو مخيفا، وجميلا أيضا.

إن هذا الفرخ الصغير، لو لم يخرج من بيضته قسرا في وقت تحتم عليه ذلك، لم يكن ليتعلم الطيران، ربما ضمر جناحاه البديعان، وما الذي كان سيربحه؟ لو بقي في تلك البيضة للأبد، آمنا ولكنه محاصر.

لذلك، أحيانا عندما نغادر المألوف، نكتشف الممكن.

الممكن فيمن حولنا، وفي أنفسنا أيضا، عندما تتوقف عن رؤية نفسك في عيون الأخرين الذين عرفتهم طويلا، وتبدأ في اكتشاف من تكون، في ورقة بيضاء تماما، لك لترسم ما تريد.

الاعتمادية العاطفية لا تجعلنا محدودين فقط، بل مهدورين، تهدر طاقاتنا وأحلامنا وقدراتنا، وعمرنا أيضا، وفي النهاية سنراقب اؤلك الذين نعتمد عليهم عاطفيا، وهم يغادرون مع أخرين، تاركيننا ورائهم.

ليس لأنهم سيئين بالضرورة، ولكن لأن هذه هي الحياة، لا شيئ يبقا كما هو، ويمكننا أن نستمتع بالأشياء طالما بقيت، ويمكننا أيضا أن نسمح لها أن تغادرنا دون أن ننهار.

ولا يعني هذا أن نقطع صلاتنا بمن نحب من أجل التغيير، بل أن نبقي علاقاتنا طيبة معهم، ونعطي لأنفسنا مساحة للتنفس،

نسمح لأنفسنا بأن نصبح وحيدين، وفارغين دون أن نشعر بالذعر، أن نتقبل أن يأتي وقت ما حين لا نجد من نعول عليه سوى أنفسنا.

وأن هذا ليس شيئا سيئا دائما، بل أحيانا نكون ممتنين لوقت كهذا.