كثير من الناس ينظرون إلى الملل على أنه شعور سلبي يجب التخلص منه بأسرع وقت ممكن، لكن ماذا لو كان الملل في الحقيقة نعمة أكثر منه مشكلة؟
في رأيي، الملل هو نوع من الفراغ الداخلي أو الجوع النفسي الذي يدفع الإنسان إلى الحركة والبحث والتغيير. فالإنسان بطبيعته كائن متحرك، لا يستطيع البقاء في المكان نفسه إلى الأبد. وعندما يشعر أن حياته بلا طعم أو هدف، يبدأ بالبحث عن شيء يملأ هذا الفراغ.
ولو تأملنا تاريخ البشرية، لوجدنا أن كثيرًا من الاختراعات والاكتشافات والتطورات جاءت لأن الإنسان لم يرضَ بالواقع الذي يعيش فيه، بل أراد شيئًا أفضل. فالرغبة في التغيير والتقدم هي في جانب منها محاولة للخروج من حالة الملل والركود.
لكن المشكلة في عصرنا الحالي أن هذا الجوع غالبًا ما يُملأ بطريقة خاطئة. فبدل أن يدفعنا الملل إلى التعلم أو الإبداع أو بناء أهداف جديدة، أصبح كثير منا يهرب منه عبر المشتتات التي لا تقدم فائدة حقيقية.
من أمثلة ذلك:
التمرير لساعات طويلة في مواقع التواصل الاجتماعي.
مشاهدة مقاطع قصيرة بشكل متواصل دون هدف.
التنقل بين التطبيقات والمواقع لمجرد قتل الوقت.
متابعة محتوى لا يضيف معرفة أو مهارة أو قيمة.
هذه الأمور قد تمنح شعورًا مؤقتًا بالمتعة، لكنها لا تشبع ذلك الفراغ الداخلي، ولذلك يعود الملل من جديد بعد فترة قصيرة.
لعل المشكلة ليست في الملل نفسه، بل في الطريقة التي نتعامل بها معه. فالملل يمكن أن يكون إشارة إلى أن حياتنا تحتاج إلى هدف جديد، أو مهارة جديدة، أو مشروع جديد، أو حتى لحظات من التأمل والتفكير.
لذلك أرى أن الملل ليس شيئًا يجب الهروب منه دائمًا، بل شيئًا يجب فهمه وتوجيهه. فالفرق بين الأشخاص ليس في وجود الملل أو عدمه، بل في كيفية الاستجابة له.
باختصار:
الملل إما أن يكون وقودًا يدفعك إلى النمو والتقدم، أو بابًا يدفعك إلى إضاعة وقتك في أمور لا تنفعك.
لذلك لا تجعل الملل يوجهك، بل تعلم كيف توجهه أنت.
ما رأيكم؟ هل ترون أن الملل نعمة يمكن استغلالها، أم أنه شعور سلبي يجب التخلص منه دائمًا؟
التعليقات