تخوض دول عربية عدة، ومنها العراق، حملات مكثفة لملاحقة صناع "المحتوى الهابط". ورغم نبل الهدف، إلا أن هذه المقاربة تحارب "العَرَض" وتترك "المرض". المشكلة الحقيقية ليست في الأشخاص، بل في الخوارزميات التي تصنعهم وتكافئهم.

لغز "تيك توك": بناء في بكين وتسطيح في العالم

تُدير شركة "بايت دانس" تطبيقين متطابقين في الواجهة، ومتناقضين تماماً في المضمون والهدف:

النسخة الصينية (Douyin): خوارزمية موجّهة بقرار سياسي لدفع المحتوى العلمي، التجريبي، والوطني. مع قيود صارمة (40 دقيقة يومياً للأطفال، فواصل توعوية إجبارية، وإغلاق تام وقت النوم).

النسخة العالمية (TikTok): خوارزمية رأسمالية بحتة، ترفع برمجياً ومادياً من شأن المحتوى السطحي والجدلي لأنه الأكثر قدرة على حبس المستخدم داخل التطبيق لامتصاص الإعلانات.

النتيجة الصادمة: طموح أغلب أطفال الصين اليوم هو أن يصبحوا "رواد فضاء وعلماء"، بينما طموح أطفالنا استقر عند رغبة واحدة: أن يكونوا "مؤثرين ومشاهير رقميين".

الخوارزمية كـ "سلاح سيادي"

تتعامل الصين مع خوارزميتها كسر عسكري وتكنولوجي ترفض تصديره، لوعيها بأن من يسيطر على شاشة الطفل، يشكّل وعي المجتمع ومستقبله.

لذلك، ملاحقة صناع التفاهة أمنياً لن تحل الأزمة؛ فالتطبيق يغري الجميع برمجياً: "كن مثيراً للجدل، تملِك المال والشهرة". إذا حُظر صانع محتوى اليوم، ستفرز الخوارزمية عشرة غيره غداً لأن قواعد النظام البرمجي لم تتغير.

ما هو الحل الحقيقي؟

عوضاً عن الملاحقة الأمنية للأفراد، نحتاج إلى عقلية "التنظيم والسيادة الرقمية":

تكتل عربي ضاغط: خلق قوة سوقية واقتصادية مشتركة لإجبار المنصات العالمية على تعديل خوارزمياتها داخل جغرافيتنا (لحماية القاصرين ومكافأة المحتوى المعرفي).

تشريعات ذكية: إلزام الشركات بوضع فلاتر برمجية صارمة وتحديد أوقات الاستخدام للأجيال الناشئة.

خلاصة القول: مكافحة المحتوى الهابط بمعاقبة الأفراد تشبه محاولة تجفيف مستنقع عن طريق صيد البعوض. الحل يبدأ من "المنبع البرمجي" لا من "المستخدِم النهائي".

شاركنا رأيك في التعليقات: هل ترى أن فرض شروط برمجية على المنصات العالمية أمر قابل للتطبيق سياسياً وتقنياً في عالمنا العربي حالياً؟ أم أن الاعتماد على وعي الأسرة هو الحل الوحيد المتاح؟