بقلم : مريم دياب

لم يكن ما أكتبه اليوم مقالاً مدروساً، بقدر ما هو تساؤل حر يدور في عقلي، وأردت أن أشارككم إياه كما هو.

هل أصبحنا نحن البشر ننجذب إلى الوهم ونحبه أكثر من الحقيقة؟ في كثير من الأحيان، نهرب من الحقيقة ونكذبها، رغم أننا في أعماقنا نعلم يقيناً أنها صادقة. لكن قلوبنا ونفسيتنا لا تريدها، ولذلك نفضل تصديق الكذب؛ لأنه يمنحنا شعوراً بالرضا، أو السعادة، أو الراحة النفسية التي تبحث عنها قلوبنا.

وهنا نسأل: من هو الحاكم الحقيقي في حياتنا.. العقل أم القلب؟

إذا ركزنا بعمق، سنجد أن القلب هو الحاكم الفعلي.. أو هذا على الأقل ما أراه.

وهم المشاهير وقصة "الكتاب الأنيق"

من أكثر الأشياء التي تلفت انتباهي، هي كيف يمكن للناس أن يحبوا صانع محتوى (رجلاً كان أو امرأة) ويصدقوا كلامه بشكل كبير ، وهم لا يعرفونه شخصياً في الواقع! وينطبق هذا الأمر تماماً على مشاهير الفن، والغناء، وكرة القدم.

ويمكننا تبسيط هذه الحالة بقصة قصيرة:

تخيل كتاباً جميلاً جداً في شكله وغلافه الخارجي، موضوعاً داخل واجهة زجاجية أنيقة وبعيدة عن أيدي الجميع. هذا الكتاب بمظهره الجذاب يشد عيون كل من ينظر إليه، ويجعل الجميع يتمنون امتلاكه. لكن، ماذا لو اقترب أحدهم وفتح هذا الكتاب، ووجد أن أوراقه الداخلية ممزقة ومليئة بالعفن؟ بالتأكيد سيتركه فوراً ولن ينظر إليه مجدداً؛ لأنه عرف حقيقته البشعة.

هذا التشبيه ينطبق على حب الناس للمشاهير؛ فهم يرونهم عبر الشاشات مثل "الكتاب الأنيق"، لكنهم لا يعرفون حقيقتهم من الداخل، ولو عرفوها لربما كرهوهم. إنهم في الحقيقة أحبوا قصة وهمية لا وجود لها؛ لأن من يظهر أمام الكاميرا ليس بالضرورة هو الشخص الحقيقي. ولهذا السبب تجد الناس يحبون المشهور فجأة، ويكرهونه بسرعة شديدة إذا عرفوا عنه شيئاً سيئاً، لأنهم لم يحبوا الشخص نفسه منذ البداية، بل أحبوا الوهم.

وهم المثالية والمنتجات السحرية

الأمر لا يتوقف عند الأشخاص، بل يمتد إلى أولئك الذين يعرضون للناس "نظاماً يومياً مثالياً"، فيتابعهم الملايين بشغف. لكن هذا النظام في الحقيقة مجرد وهم! من منا يستطيع أن يتحكم في يومه بأكمله بنسبة 100% دون أي تقصير؟ إنه أمر مضحك أن يصدق أحد هذا. نعم، قد تكون لديك عادات يومية جيدة، لكن أن تسير حياتك كلها بنفس الروتين يومياً هو أمر مستحيل؛ لأن العقل والقلب يملان من التكرار، ولا يمكن الالتزام به لفترات طويلة.

ونفس الشيء ينطبق على "وهم المنتجات ذات المفعول السحري". الغريب أن المشتري يقبل على شرائها وهو يعلم بالمنطق والعقل أنها غير فعالة، ومع ذلك يشتريها لأنه يريد تصديق هذا الوهم!

وعندما يخبرك شخص بكلام معسول وجذاب —حتى لو كان كذباً— ستجده الأقرب إلى قلبك وتصدقه، حتى لو كان كلامه غير منطقي؛ (وأنا هنا لا أتحدث عن كلمات التشجيع الصادقة، بل عن الكلام الخادع).

السياسة وكواليس "صُنّاع النجاح"

يمتد هذا الزيف أيضاً إلى "وهم النجاح"، حيث يستعرض البعض مظاهر الثراء والإنجازات الضخمة على مواقع التواصل، وما هي في الحقيقة إلا استعراض أجوف (Show Media).

خذ على سبيل المثال: الوهم الذي يقع فيه من يشترون الكتب والمذكرات التي يكتبها رؤساء الدول والسياسيون الكبار. الشيء الذي لا يمكنني تصديقه، هو أن هؤلاء السياسيين سيكتبون الحقيقة المجرّدة في كتبهم! لن تجد سياسياً يقول في كتابه: "أنا المسؤول عن تدمير هذه البلاد" أو "نحن من نهبنا خيرات تلك الأمة". بالطبع سيكتب ما يجعلك تشعر أن بلده قوية وجيشها عظيم.

ومن النادر أن تجد أحد منهم كتب الحقيقة في كتابه .

إن الهدف الأول والأساسي من هذه الكتب هو ربح المال، وليس إخبارك بالحقيقة. هم يخبرونك فقط بما هو "مسموح قوله" في العالم السياسي، بل ويمكنهم التلاعب بأفكارك ومشاعرك لخدمة مصالحهم ومصالح بلادهم لكي تصدقهم.. فهل فكرت في هذا الأمر من قبل؟

الحقيقة الصامتة وسلاح الوعي

إن الحقيقة التي نقابلها على أرض الواقع تخبرنا بأن الشخص الناجح والغني حقاً، يكون مشغولاً جداً بإدارة مشاريعه وحياته؛ لدرجة لا تسمح له بتمثيل دور "المثالية" أمام الكاميرات على مدار 24 ساعة. ومع أن هناك قلة قادرة على الموازنة، إلا أن الغالبية العظمى مما نراه ليس سوى استعراض لبيع الوهم لا أكثر.

"النجاح الحقيقي صامت.. والضجيج غالباً ما يختبئ وراءه الوهم."

الوهم ليس مجرد منتج نلمسه أو شخص نتابعه، بل هو "خيار مريح" نختاره طواعية؛ لكي نهرب من تعب التفكير وعناء البحث عن الحقيقة.

"الوعي هو البداية؛ أن تدرك أنك تشاهد فيلماً سينمائياً وليس حقيقة واقعة، وأن ما تقرأه هو مجرد وجهة نظر للكاتب، وليس صكاً مقدساً من السماء."

إن السيطرة على وعي وفكر الإنسان الذي أمامك، والتحكم به عبر تحريك عواطفه (سلطان القلب)، هو أقوى سلاح في هذا العصر. من خلاله تستطيع جني أموال طائلة ، تدمير شعوب أو بنائها ، تأخير أمم أو تقديمها، بل والتحكم في اقتصاد دول بأكملها.

"الوعي، الوهم، والحقيقة.. ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي أسلحة حقيقية تحكم العالم اليوم؛ فالوعي من يملكه، يملك واحداً من أقوى أسلحة الردع، ومن لا يملكه، يتحول هو نفسه إلى سلاح مُوجّه لتدمير ذاته.. سلاح لا يقل فتكاً عن أسلحة الحروب التقليدية التي يُستخدم فيها البارود.

(الوعي والوهم).. معركة صامتة تُدار خلف كواليس عالمنا، وتحقق نتائج أقوى من نتائج الجيوش.

وأنتم.. كيف ترون الوعي والوهم في عالمنا المعاصر؟ وهل تظنون أننا استسلمنا للوهم الأنيق؟"