نهضة الشعوب بين الاستيعاب والانفجار

المشكلة ليست في نهضة الحضارة الأوروبية، بل بطريقة نهضتها ....

لو نظرت للحضارة الإسلامية لوجدتها نهضت فجأة. فبعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بدأت الفتوحات الإسلامية تعم الأرض جميعها، وفي سنوات قليلة كانت أعداد لا تحصى من البشر والأعراق قد دخلت الدولة الإسلامية. ولأن الدين الإسلامي لا يمنع تلقي الحكمة وإن كان صاحبها غير مسلم، نتج عن ذلك تمازج سريع بين الثقافات وحركة ترجمة وصعود علماء وعلوم لم يكن المسلمون يعرفونها من قبل. وهذا كله حدث بأقل من قرن، وبموافقة الدولة والدين والعلماء، بل كانوا يحضون عليه.

أما في أوروبا، فمنذ عهد "الحملات الصليبية" كانت لا تزال تحت عقلية الكنيسة، فكانت البيئة لا تقبل العلم ولا النهضة. ولكن شجرتها نمت وكبرت رغم أنف الكنيسة، وببطء شديد عبر قرون من الزمان. ونلاحظ أنه حتى في القرن الخامس عشر، في عهد ليوناردو دافينشي ( أي بعد مضي وقت طويل على زمان أديلارد) لم يكن في أوروبا جميعها عدد من العلماء يذكر مثل ليوناردو إلا ما يعد على الأصابع. فكل علماء عصر النهضة الأوروبية تبعثروا على مر القرون، من عهد الحملات الصليبية حتى بداية الثورة الصناعية، ويمكن جمعهم جميعاً في كتاب واحد صغير.

ولم يحدث الانفجار الحقيقي لحركة العلم إلا بعد الثورة الفرنسية؛ لأن الشعوب في تلك الفترة بدأت تتخلى عن الكنيسة التي كانت سبب عقم النهضة وتخلفها. فبمجرد إزالة عائق العلم واستنشاق ريح الحرية، اشتعلت أوروبا بالعلماء وصعد العلم في جميع مدنها ودولها، ولم يعد حكراً على طبقة أو مؤسسة. ومنها بدأت أوروبا عهداً جديداً لطالما انتظرته منذ الحملات الصليبية....


التعليق السابق

تحياتي لك. وممتن جدا لهذا النقاش الراقي والعميق الذي يثري الفكرة. لكن اسمح لي ان اختلف مع هذه التبريرات من زاوية منهجية وتاريخية.

اولا: قياس النهوض بالحجم العددي للعلماء هو قياس كمي يغفل الكيف الحضاري. فصحيح ان حواضرنا انجبت آلاف العلماء بفعل النمط الفردي وحلقات العلم لكن قلة علماء اوروبا في عصر النهضة كانوا يمثلون كتلا حرجة ومؤسسات ومناهج غيرت العقل البشري كاملا فالعالم الواحد مثل نيوتن او ديكارت كان يضع نسقا علميا تسير عليه قارة باكملها فالعبرة ليست بالعدد بل بالمأسسة والمنهج التجريبي الذي يضمن استمرار المعرفة بمعزل عن الافراد.

ثانيا: محاولة فصل غياب الرعاية السياسية وتحريم الطابعة في العهد العثماني عن انغلاق البيئة الحاضنة هو تفكيك غير منطقي فالسؤال الجوهري هو لماذا حرم الفقهاء الطابعة ولماذا توقف الحكام عن دعم العلم هذا التحريم والمنع هو عين الانغلاق الفكري الذي خشي من انتشار المعرفة خارج السيطرة التقليدية فالسياسة والتشريع هنا هما مجرد انعكاس للعقلية الفكرية السائدة التي انكفأت واوقفت الاجتهاد

ثالثا: القول بان حضارة اوروبا عمرها ثلاثة قرون فقط يجافي الواقع التاريخي الذي يؤكد ان صعودها المؤسسي والمعرفي بدأ منذ القرن الخامس عشر اي نحو ستة قرون اما التنبؤ بانهيارها علميا خلال عقد او عقدين بسبب الانتكاس الاخلاقي فهو خلط بين الازمة الاجتماعية وقوة المنظومة العلمية فالغرب يملك مؤسسات بحثية ومجامع علمية مستقلة قادرة على التجدد والنقد الذاتي والمنظومات الحضارية لا تسقط برغبات عاطفية بل عندما تعجز ادواتها المادية والمعرفية عن الانتاج وهو ما لا تظهره المؤشرات الحالية بتلك السهولة.

أشكرك أيضاً برقي الحديث...

و ارد عليك ب:

أولاً : أن الكيف الذي تشير إليه بعلماء أوروبا كان أيضا متوفراً بعلمائنا.. فإلى متى بقيت أوروبا تذاكر كتب ابن رشد . و حتى متى بقي كتاب القانون لابن سينا هو الانجيل المقدس لهم في الطب. و الكثير من علمائنا كانوا أئمة نهضتهم على مدى قرون. من ابن الهيثم الى الجزري و الزهراوي و غيرهم. وهؤلاء هم الميف الذي نفخر به. أما الكم من علمائنا كانوا نجوم عصرهم فقط. ولكن الفئة التي تميزت استطاعت ان تتخطى زمانها لتعيش على أرفف الحواضر الأوروبية ردحاً طويلاً من الزمن..

ثانياً : اوافق وجهة نظرك تجاه الطابعة و ردة فعل الحكام و العلماء تجاه الأمر . ولكن لو اتيحت لنا الفرصة يوماً لحديث موسع لفسرت لك لماذا أشرت لتحريم الطابعة كسبب مهم من أسباب تراجع العلم في بلادنا و انغلاق مجتمعاتنا فكرياً..

ثالثاً : قد اكون تسرعت بالتنبوء بمدة سقوط المنظومة العلمية لدى المجتمع الأوروبي ولكني أخالفك بديمومتها. فما من 9ضارة تنهض إلا و تسقط. و ما من صعود إلا و بعده هبوط. و هل بعد الكمال إلا النقصان؟ و ماذا بعد الذروة؟ .

ولكن بالنسبة لعمرها. فربما فاتك أمر أشرت إليه في مقالي الأساسي. وهو أنني اتحدث عن مجد الحضارة و عصرها الذهبي.

فحضارتنا وصلت لعهدها الذهبي بسرعة صاروخية منذ البداية. و في قرنها الأول. و ذلك لحث الإسلام على العلم. و اهتمام الحكام و الخلفاء بالترجمة و النشاط الفكري . فوصلت لمجدها في وقت مبكر.

أما عمر الحضارة الأوروبية. فأنا لم أكن أشير لعمرها منذ انطلاقتها الأولى. و انما أشير لعمرها منذ عهدها الذهبي النشط. الذي كان في القرن التاسع عشر. عندما بدأت الشعوب الأروربية تخرج من سلطة الكنيسة و تعجر المسيحية و تتخذ من العلم دين لها. وهنا بدأت اوروبا ترتدي عباءة مجدها بالعلم. و بدأ يمثر العلماء و البحوث العلمية و المراكز العلمية و المدارس بأقصى اتساعها و انتشارها و صعد نجم الجامعات الأوروبية و زاع صيتها.

وانا لا أعني بأن أوروبا لم تكن تملك علماء قبل هذه المدة. و انما أشرت أن أوروبا كانت محكومة قبل الثورة الفرنسية بالكنيسة الفاتيكانية و التي عادت العلم و العلماء . و جاليايو خير مثال على ذلك. و هذا أخر وصول أوروبا لقمة مجدها في العلم حتى القرن التاسع عشر.

ما ذكرته يا سيدي الكريم صحيح و حق. و أنا لا انكره. و لكنني كنت اشير لعمر حضارة أوروبا منذ عصرها الذهبي حتى الآن مقارنة بعمر حضارتنا منذ عصرها الذهبي حتى أفول نجمها. أما أنت فكنت تشير لعمر الحضارة منذ لحظة أنطلاقتها حتى الآن . و كلا الأمرين حق. ولكن بينهما أختلاف البداية. ... و الأختلاف بالرأي لا يفسد في الود قضية.