أطفالنا يحفظون ليجتازوا الامتحان، وليس لفهم الحياة

صديقتي أستاذة تاريخ تقول أنه في يوم امتحان مسابقة التاريخ، دخلت طفلة إلى اللجنة وهي واثقة. حفظت التواريخ، والأسماء، والأحداث بالكامل. سألتها المعلمة في نهاية الامتحان: أخبريني برأيك، لماذا قامت هذه الثورة؟ تجمدت الطفلة. لم يكن هذا السؤال في ورقة الامتحان، ولم تحفظ له إجابة من الكتاب.

خرجت من اللجنة تبكي، ليس لأنها لا تعرف، بل لأنها لم تتدرب على أن تفكر، فقط تدربت على أن تكرر.

هنا يجدر بنا البحث عن الخلل، ربما في شكل الأسئلة أو في طريقة التدريس أم في أنفسنا التي أقنعتنا أن النجاح الحقيقي محصور بتحصيل أعلى الدرجات وأن العبقرية أن نكرر دون أن نتساءل لأن هذا ليس مجرد قصة طالبة بكت لانها لم تعرف الاجابة ولكن هذا حال التعليم بأغلب بلادنا العربية.


التعليق السابق

نجاحك السريع يثبت ذاكرة استثنائية، لكنه لا يثبت فهما أعمق.

الطالب الذي يتفوق على النظام بالحفظ السريع، قد يظل أسير هذا النظام في عقله. يعتقد أن النجاح هو الدرجات، فإذا واجه مشكلة حقيقية ليس لها إجابة نموذجية، يشعر بالعجز.

أما المعلم الذي رفض إجابتك، فهو نموذج لمدرس فاشل، لكنه أيضا نتيجة لنظام يقيم المدرسين على تكرار المنهج، لا على التفكير.

أنت ذكية، لكن ذكاءك تجلى في الالتفاف حول النظام، لا في مواجهته. لو أتيحت لك فرصة لتتعلم فهما لا حفظا، اكنت ستتحملين أن تكون "أقل" في البداية، كي تكون "أكثر" على المدى الطويل

فنحن ننتقد النظام ونحن نتقنه. هذا هو التناقض الحقيقي

الفكرة ليست في اتقانه بقدر أن هذا هو النظام إن لم ألتزم به فلن أحصل على فرصة جيدة في تحقيق حلمي بدراسة ما أريد، فنحنُ مضطرون لأن نتبع ذلك، لأن مع الأسف تلك الدرجات هي التي تحدد مستقبل الطالب فيما بعد، ولا يهتم أحد بأن تلك الدرجات أتت من فهم أو حفظ او استفادة من المعلومة، لا اتذكر أني استفدت من اي مادة درستها طوال فترة التعليم فيما بعد أو احتجت لأن استرجع معلوماتي عنها، ممكن فقط تلك اللغات كاللغة العربية وقواعدها والانجليزية وغيرها لكن ما درسته لم يفيدني أصلاً، ما أشعر بأني استفدت منه حقاً هو وقت الدراسة في الكلية فكل ما درسته في الكلية خدم التخصص الذي تخصصته واستفدت منه، لكن غير ذلك لا شيء.

أما عن أنك لم تستفدي من أي مادة، ألست تستخدمين اليوم قدرة على القراءة السريعة، أو التركيز، أو التعامل مع الضغط هذه مهارات تعلمتها من ممارسة النظام نفسه، وليس من محتوى المواد.

لا أدافع عن نظام فاسد، لكني أحذرك من إلقاء اللوم عليه وحده. نحن نعلم أن الدرجات لا تعكس الفهم، لكننا نصر على أنها المعيار. نحن ننتقد الحفظ، لكننا نلجأ إليه للنجاح السريع.

بدلامن الحلم بنظام مثالي، لنتعلم كيف نلعب اللعبة بذكاء. احفظ لتنجح، لكن ادرس لتفهم خارج الامتحانات. خذ الدرجات التي تفتح الأبواب، لكن لا تجعلها مقياس قيمتك.

فالنظام ليس عادلا، لكنه الواقع. اسنظل نلعنه ونحن نركض خلف درجاته

ما فائدة المحتوى إذن الذي نضيع فيه سنوات من عمرنا؟ إذا كان فقط ما استفدت منه الآن هو تعلم بعض المهارات؟

النظام فاسد ونحنُ مضطرون لأن نسايره، لأنه مع الأسف يحدد مصيرنا، ومحاولة تغيير النظام تحتاج إلى صبر وسنوات طويلة من المحاولات وكسر نمط القوالب التي تضعنا فيه طوال الوقت، ولكن خلال تلك السنوات أيضاً هناك من لا يريد أن يضيع مستقبله في المنتصف عبر محاولات التغيير.

لست مضطرة لأن تحبي النظام، لكن استخدميه كوسيلة. خذي منه ما ينفعك، واتركي ما يضرك، دون أن تخسري مستقبلك. المهارات القليلة التي تعلمتها هي أدواتك، والشهادة هي بطاقة دخولك.

أما عن "تضييع المستقبل في محاولة التغيير"، فليس كل من يحارب الفساد مستعد للتضحية بحياته. لا نطلب من كل فرد أن يكون ثوريا. بعضنا يريد حياة هادئة. هذا ليس جبانا، بل واقعيا.

لكن الخطر أن تستسلم تماما، وتتحول من ناقد للنظام إلى عابد له. أن تقنع نفسك أن الغش هو الطريق الوحيد. هذا هو الفساد الحقيقي، ليس في المؤسسات فقط، بل في النفوس.

النظام قد يحدد مستقبلك الوظيفي، لكنه لا يحدد مستقبلك الإنساني. الأول تتحكم فيه الجهات، والثاني تتحكم فيه أنت.

أتفق معكِ جداً في نقطة أن النظام قد يحدد مستقبلنا الوظيفي لكنه لن يحدد مستقبلنا الإنساني، لأننا كثيراً ما نرى أشخاص وصلوا بالفعل إلى مناصب ومراكز عالية جداً ولكن أخلاقياً وإنسانياً أمورهم متدنيه.