في الآونة الأخيرة، كلما تصفحت منصات التواصل الاجتماعي وجدتُ ضجيجاً إعلامياً أو دعوات لاعتصامات واحتجاجات ضد الحكومة السورية الجديدة بشأن ملفات شتى. كنتُ أقول في نفسي: "لا بأس، فهذه ثمار الثورة التي قمنا بها لنيل الحرية، ومن حق المواطن أن يعبر عن رأيه". لكنني حين أتعمق في سماع آراء الناس وأتبين أبعاد القصة، أكتشفُ فجوةً مرعبة؛ فالكثيرون يعترضون على قضايا لا يدركون فحواها ولا مضمونها.
يسمعون خبراً فلا يتبينون صحته، ولا يسألون الخبراء عن أبعاده، ولا يحاولون التواصل مع المؤسسات المعنية للاستفسار، بل يندفعون نحو الشارع لإثارة البلبلة فحسب. ثم تضطر الدولة لاحقاً لبذل جهد مضاعف لتهدئة الوضع وشرح الحقائق، حتى إذا انتهى اعتراضٌ بدأ آخر في حلقة مفرغة.
تساءلتُ طويلاً: لماذا يعترض الناس على ما لا يفقهون؟ لا خبرة بالقانون، ولا إدراك لحقيقة المشكلة، ولا أدنى جهد يُبذل في البحث والتحقيق، ومع ذلك ثمة اندفاع غريب نحو الفوضى. إن الحكومة الجديدة تسعى جاهدة للملمة شتات بلدٍ منهك، وتحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه بميزانيات محدودة و أزمات متراكمة. هي تبتكر طرقاً استثنائية لإدارة شؤون دولة صاعدة، وبدلاً من أن يلتف الناس حولها ويشدوا من أزرها، نجدُ اعتراضاتٍ في كل موقف، وصداعاً يسببه الجهل بأمور لا يفهم المعترضون منها حتى 10% من حقيقتها.
إن كان المرء لا يملك خبرة في إدارة البلاد، ولا في تعقيدات السياسة والاقتصاد، فبأي منطق يدخل معتركاً يعطل به دوران عجلة البناء والإصلاح؟ هل يُعقل أن تنزل الحكومة للشارع لتشرح سبب كل قرار لم يفهمه العوام؟ بالطبع لا. فالأصل إذا كنتَ جاهلاً بمسألة ما أن تفسح المجال لمن يعلم، وأن تترك العمل لأصحاب الخبرة.
وإن كان لا بد من ممارسة حقك الديمقراطي في المساءلة والمحاسبة (وهو خوف مشروع ورثناه من مرارة حكم عائلة الأسد)، فليكن ذلك بناءً على تحقيقٍ وفهمٍ قبل النزول للشارع، وإلا لانشغلت الحكومة بتهدئة الخواطر وشرح القوانين بدلاً من تطبيقها وتطوير البلاد.
سبحان الله، هي عبارة أرددها دائماً: "الجهل عدو الإنسان الأول، والعلم دواءه". لا يبلغ الإنسان شأناً بلا علم، وقد قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "تفقهوا قبل أن تسودوا". ورغم أن العلم في زماننا صار ميسراً ومتاحاً للجميع، إلا أن البعض لا يغرف إلا من بحر الجهل ليصنع منه حكمته المزيفة.
ملاحظة: أحاول في الآونة الأخيرة ان أعمل على توزيع علامات الترقيم في مواضعها الصحيحة. فأرجوا أن اكون قد اصبت في تحديدها هذه المرة 😅
التعليقات