الموت كحقيقة معطلة بيولوجيا.
لو تأملنا في السلوك البشري تجاه الموت، لوجدنا تناقضا منطقيا صارخا، فنحن نتعامل مع الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل الشك كأنها مجرد احتمال بعيد أو إشاعة تخص الآخرين. هذا "الذهول العمدي" ليس ضعفا في قدراتنا العقلية، بل هو على الأرجح شيفرة وضعها الخالق في أصل الفطرة الإنسانية، حيث يعمل الوعي كمرشح يحجب ثقل فكرة الفناء ليسمح لغريزة البقاء والتعمير بالعمل. فلو كان الموت يتصدر مشهد الوعي في كل لحظة، لتحولت الحياة إلى رتابة جنائزية، ولتعطلت محركات الإبداع والعمل، ولما استطاع الإنسان أن يبني حضارة أو يزرع شجرة وهو يرى فأس النهاية مسلطا على عنقه في كل ثانية.
هذا النسيان الممنهج هو "رحمة تقنية" في نظامنا التشغيلي، فالله الذي خلق الموت والحياة، غرس فينا نزوعا فطريا نحو الخلود ليوازن به يقينا عقليا بالفناء، مما يخلق توترا إيجابيا يدفعنا للإنجاز دون السقوط في فخ العدمية. نحن مبرمجون على تجاهل الموت ليس لننكره، بل لنستطيع "احتمال" الحياة والقيام بمهامنا كمراقبين وفاعلين في هذا الوجود. إن غياب فكرة الموت عن بالنا رغم حتميتها ليس ثغرة في ذكائنا، بل هو صمام أمان إلهي يضمن استمرار المسرحية البشرية إلى حين يسدل الستار، فالحكمة تقتضي أن تعرف أنك ستموت، لكن الفطرة تقتضي أن تعيش كأنك خالد، وبين هذين القطبين تكمن قدرة الإنسان على صنع المعنى وسط عالم من الزوال.
لو رفع عنك 'حجاب النسيان' وأبصرت نهايتك بوضوح في كل لحظة، هل ستستمر في فعل ما تفعله الآن، أم أن حياتك ستتخذ مسارا مختلفا تماما؟
الحمد لله.
إن استحضارك لنموذج "بوذا" يضعنا أمام جوهر المعضلة، فما فعله والده كان محاولة لصناعة "فطرة اصطناعية" داخل القصر، عزلته عن حقائق الفناء ليعيش في وهم الخلود، وعندما خرج بوذا، لم يصطدم بالموت كمعلومة، بل اصطدم بانهيار "النظام التشغيلي" الذي بني عليه وعيه.
نحن جميعا نعيش داخل قصر مماثل، لكنه "قصر فطري" من صنع البرمجة الإلهية التي تستخدم التعود والنسيان الممنهج كأدوات لتخدير الوعي أمام فاجعة الموت، لكي لا تتحول حياتنا إلى شلل دائم.
الفرق بيننا وبين بوذا هو أن "حجاب العادة" لدينا تراكم عبر المشاهدات اليومية، مما حول الموت إلى "ضجيج خلفي" نتعايش معه، بينما رآه بوذا بعين "المراقب" الذي يواجه الحقيقة لأول مرة بلا فلاتر.
هذا يثبت أن النسيان والتعود هما "صمامات أمان" وضعها الخالق لنحتمل الوجود ونستمر في البقاء، لكن الاستيقاظ منهما ولو للحظات هو ما يمنحنا القدرة على رؤية المعضلات الوجودية بحجمها الحقيقي، بعيدا عن بلادة التكرار.
ولكن النتيجة في حالة بوذا كان ايجابية فهل معني هذا ان التعود سئ ؟ ام انه مفيد للبعض لان رد فعل الجميع علي تلك الرؤية الواضحه لان تكون رحلة للبحث بل احيانا قد تكون الانهيار والاضطراب .
ربما الله يمنح الرؤية والوضوح بقدر لمن هو مستعد وقادر علي التعامل .
إن فكرة الوضوح بقدر تلمس جوهر الحكمة في تصميم الوعي البشري، فالتعود والنسيان ليسا شرا، بل هما درع حماية ميكانيكي يمنع تفتت النفس تحت وطأة الحقيقة المطلقة.
فلو رفع حجاب العادة عن الجميع فجأة، لما تحولوا جميعا إلى بوذا، بل لغرق الأغلبية في شلل الوجود والاضطراب النفسي، ولتوقفت عجلة الحياة التي تتطلب نوعا من التخدير الفطري للاستمرار.
وهنا تظهر دقة التدبير الإلهي: الغفلة هي النظام الافتراضي الذي يضمن بقاء النوع وعمارة الأرض، بينما الرؤية الواضحة هي استثناء يمنح بقدر لمن يملك الاستعداد النفسي والعقلي لتحويل الصدمة إلى مسار معرفي لا إلى انهيار.
التعود اذن هو رحمة للمستضعفين وستار يتيح للناس ممارسة حياتهم بسلام، في حين يظل الاستيقاظ منه مغامرة وجودية كبرى لا تؤتي ثمارها إلا لمن امتلك الأدوات لتحمل ثقل الحقيقة وتحويلها إلى قوة دافعة للمعنى.
والله أعلم.
التعليقات