10

النسوية والذكورية أفسدتا فطرة المودة والرحمة على حدٍ سواء

لم يكن لمصطلحات مثل النسوية والذكورية مكانٌ قبل فترة قريبة، فقد كانت العلاقات تُبنى وتُدار بفطرة المودة والرحمة والتكامل الطبيعي بعيداً عن الاستقطاب الحاد.

لكن مع تصدر مفاهيم (مثل غير مُلزَم وغير مُلزَمة) للمشهد وصعود نبرتها، تحولت المساحة المشتركة بين الرجل والمرأة إلى ما يشبه ساحة المعركة المفتوحة، حيث تُقاس المواقف بميزان الندية والتحفز المستمر.

هذا التوجه جعل الكثيرين يبنون أسوارًا دفاعية مسبقة، لتطغى لغة الحقوق والالتزامات والمكاسب وصراع السيطرة بين الجنسين على لغة التغافل والاحتواء والسكن النفسي الذي كانت تقوم عليه الروابط السوية.

هذا يعكس لنا تحولًا عميقًا في بنية التفكير المجتمعي، ويفرز آراءً متباينة؛ فثمة أصوات ترى في هذا الحراك ضرورة لكشف التجاوزات وإعادة ضبط الموازين، بينما تؤكد أصوات أخرى أن هذا الاستقطاب جرد العلاقات من عفويتها ودفئها وحولها إلى قاعات محاكم لتصيد الأخطاء وتصفية الحسابات.


أكثر ما يثير السخرية في بعض المصطلحات النسوية الحديثة أنها بدأت بشعار المساواة، وانتهت عمليًا إلى عقلية ترى الرجل خصمًا يجب تفكيكه لا شريكًا يمكن التفاهم معه. يريدون علاقة بلا قوامة لكن مع حماية كاملة، استقلالًا مطلقًا لكن مع امتيازات انتقائية، حرية بلا مسؤولية، ومحاسبة للرجل على كل شيء بينما تُقدَّم أخطاء الطرف الآخر دائمًا كـردة فعل مبررة.

ثم يتساءلون لماذا أصبحت العلاقات باردة ومليئة بالشك والتوجس؟

لأن الكلام الذي يحول كل تصرف ذكوري إلى سيطرة، وكل اختلاف طبيعي إلى قمع، لا يبني مجتمعًا صحيًا، بل يصنع أجيالًا تدخل العلاقات بعقلية الصراع لا المودة.

النسوية المتطرفة لم تحرر المرأة بقدر ما دفعتها أحيانًا إلى النظر للأسرة والاستقرار والعاطفة وكأنها أشكال ضعف يجب التمرد عليها، حتى صار بعض الناس يفتخرون بعدم قدرتهم على التضحية أو الاحتواء وكأن الأنانية إنجاز فكري. والنتيجة؟ علاقات هشة، نسب طلاق مرتفعة، انعدام ثقة، وتحويل الحياة المشتركة إلى مفاوضات قانونية باردة بين شخصين يخشيان أن يخسر أحدهما أكثر من الآخر.

raghd_agaafar أضف ردا

ليست النسوية وحدها طبعًا، فالذكورية أيضًا فعلت الشيء ذاته. إذا كان الرجل أول ما يفكر به هو استخدام حقه في التعدد حين تخرج المرأة عن طوعه قليلًا أو حين لا تخرج حتى. هو أيضًا نقض ميثاق المودة والرحمة. الاستقطاب والتطرف بكل أنواعه شيء مقزز.

المشكلة أنكم دائمًا تحاولون صناعة حياد أخلاقي مصطنع، وكأن الطرفين متساويان فعلًا في طبيعة الخطاب والتأثير والاتجاه.

نعم، هناك رجال سيئون ويتعاملون مع الزواج بعقلية التهديد أو الاستبدال، وهذا سلوك مستفز ولا خلاف عليه. لكن الفرق أن هذا يُدان اجتماعيًا غالبًا حتى من الرجال أنفسهم، بينما كثير من الخطابات النسوية الحديثة تحوّل الأنانية والتمرد على أي التزام عاطفي أو أسري إلى وعي واستقلال وتصفق له باعتباره انتصارًا.

الرجل الذي يهدد بالتعدد عند كل خلاف شخص غير ناضج، لكن النسوية المتطرفة لم تعد تنتقد السلوك السيئ فقط، بل أصبحت أحيانًا تشكك أصلًا في فكرة القوامة والأسرة والأدوار الطبيعية والعلاقة نفسها، وكأن أي مساحة رجولة أو مسؤولية ذكورية هي مشروع هيمنة يجب مقاومته.

ثم إن استخدام عبارة الاستقطاب من الطرفين بهذه السهولة يختزل المشكلة جدًا؛ لأن أحد الطرفين ما زال يُطلب منه أن يؤدي دوره التقليدي كاملًا: الحماية، الإنفاق، الاحتواء، المبادرة… بينما يُهاجم في اللحظة نفسها إذا طالب بأي دور مقابل أو أي توازن داخل العلاقة.

المشكلة ليست في رفض التطرف، بل في أن البعض يريد مساواة سطحية في اللوم حتى لو لم تكن الوقائع متساوية أصلًا.