تُذكّرني زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمدينة الإسكندرية باكتشاف نابليون لمصر خلال الحملة الفرنسية. فكما أن الحملة الفرنسية، رغم سياقها العسكري، ساهمت في وضع أسس مصر الحديثة من خلال الاهتمام بالتراث والعلوم والثقافة، فإن زيارة ماكرون ألقت الضوء مجددًا على مدينة الإسكندرية، المدينة التي تُعدّ ثاني أكبر مدن مصر، ومع ذلك لا تحظى بالاهتمام الكافي الذي تستحقه.

ركزت الزيارة على الإسكندرية بطريقة جيدة جدًّا، وسلطت الضوء على مدينة يفترض أن تكون العاصمة الثانية، لكنها تعاني من غياب الاهتمام الواضح.

وخاصة مع ضعف السياحة الأجنبية او انعدامها بمعني أصح ..نادرا ما تري أجانب او حتي عرب في الشوارع او في اي مكان .

فالتركيز دائمًا ينصبّ على القاهرة، بينما يعرف الإسكندرانيون جيدًا أن حال المدينة قد تدهور كثيرًا في جوانب متعددة: ثقافيًّا، وبنية تحتية، وزحمة مرورية، وانتشار التكاتك والكلاب الضالة، والإزعاج والضوضاء الشديدة ، وغيرها من المشكلات الكثيرة.

ومع ذلك، فإن المدينة لا تزال تحتوي على مواهب حقيقية لم تأخذ حقها بعد، ولم تحصل على الفرص المناسبة. وأنا شخصيًّا واحد ممن كانوا يحضرون الفعاليات الثقافية من معارض وحفلات وندوات علي مدار خمسة عشر عاما ، خاصة تلك المرتبطة بالمركز الفرنسي، أو غوته الألماني، أو الجزويت، أو مكتبة الإسكندرية او مركز ابداع واتيليه اسكندرية . وبالطبع، تظل الأماكن الخاصة أكثر مرونة وأفضل في التعامل.

ومن خلال حضورنا لهذه الفعاليات، تشكّلت بيننا شبكة علاقات، واكتشفنا أن هناك الكثير من الأشخاص المميزين جدًّا: أناس يمتلكون مواهب، ومثقفون، وفنانون، وآخرون يعملون في المجال الثقافي بشكل عام. ويشمل ذلك الكُتّاب، والمنظمين، وحتى الأشخاص الذين يعملون خلف الكواليس. إلا أنهم جميعًا لم يأخذوا فرصتهم كاملة بعد.

فمثلا من بين الأشخاص الذين استقبلوه، في الصورة المشهورة التي التقطها عند "القلعة "، كان هناك أشخاص اختيروا (أظن من قبل المركز الفرنسي). ومن بينهم أشخاص أعرفهم جيدًا، مثلا بندق أليكس (الأسمر)، الذي اشتهر بحضوره الكثيف للإيڤنتات والفعاليات الثقافية.

عندما رأيت " بندق " في الصورة المشهورة بجانب الرئيس ماكرون عند القلعة، شعرت بفرحة كبيرة. وتمنيت لو ان هناك اعترافًا ببعض الوجوه السكندرية المميزة. ولو بدأت الإسكندرية تأخذ صورتها الحقيقية على محمل الجد، فإننا سنكتشف شخصيات كثيرة جدًّا شبابًا وشابات يستحقون الظهور والتقدير.

اذكر على سبيل المثال لا الحصر:

- شروق الزغبي: موديل، حصلت مؤخرًا على مركز متقدم في مسابقة ملكة جمال مصر (وصيفة)، وتغني راب انجليزى بمستوى ممتاز

- أختها سحر: مغنية أندرجراوند موهوبة ايضا، وظهرت كموديل في اعلانات

- فرق أندرجراوند عديدة، منها فرقة ياسين محجوب (فرقة قرار إزالة) وياسين شاب محترم جدًّا وموهوب .

كما كانت هناك مؤسسة جدران التي ضمت العديد من المبدعين، ومن أبرزهم الفنان الشهير أيمن عصفور ، احمد بومبو وسامح الحلواني الذي كان مدير هذا المركز، وكان شخصًا نشيطًا معروفًا للجميع. ومن أشهر الوجوه عصام روك ، الذي يعرفه كل من يحضر النشاط الثقافي في الإسكندرية.

هناك بنات وشباب كثر، بعضهم استطاع السفر إلى أوروبا وبعض الدول الأخرى، لكن الأغلبية لا تستطيع بسبب صعوبة ظروف السفر. ولهذا كنت أتمنى عمل شيء يشبه «تريبيوت» لهؤلاء المبدعين حتى لا ننسى أحدًا منهم.

من الأسماء البارزة أيضًا:

- الأستاذة ندى أبو العلا التي تعمل في المجال الاجتماعي والنشاط الإنساني.

- الأستاذة نورين القاضي التي أصبحت صحفية معارضة وتكتب مقالات علي رصيف 22، وسافرت إلى لبنان مؤخرًا، وهي فتاة جميلة جدًّا، جمالها يفوق جمال ياسمين صبري، وتبدو كالاوروبيات تمامًا.

- الكاتب والباحث الحاصل على الدكتوراه، مثل الدكتور خيري جبودة (من ليبيا).

وأهم شخص أعرفه جيدًا، ورجل عظيم لم يأخذ حقه إطلاقًا، وهو التوب في هذا الجروب كله هو أ/ شريف الوسية .

رجل يحترمه الجميع ومعروف بأدبه قبل علمه ويقدره كل من يرتاد المراكز والمعارض والأنشطة الثقافية في الإسكندرية. يستحق ان يكون وزيرا للثقافة ومع ذلك لم يحصل على التكريم اللائق .

هؤلاء هم مجرد أمثلة. وكنت قد أعددت قائمة تضم قرابة خمسين اسمًا أو أكثر.

والجميل ان اغلبهم يعرفون بعضهم وبالتالي لو واحد فقط اخذ شهرة كبيرة فسينسحب هذا بالضرورة علي الباقي ..

لو أُتيحت لهؤلاء الفرصة الحقيقية وظهروا على الساحة، فسوف تكتشف مصر بل والعالم أن في مدينة واحدة كمًّا هائلًا من المواهب التي يمكن لكل منها أن يصبح نجمًا، وبعضهم قادر على أن يصبح سوبر ستار.

الإهمال الطويل لهؤلاء المبدعين يُضيّع فرصًا كبيرة على المدينة وعلى مصر. آن الأوان لإعادة اكتشاف هذه الطاقات وإعطائها الاهتمام الذي تستحقه، حتى يعود المشهد الثقافي المصري إلى أهله وأبنائه.