تحدثت باستفاضة عن أزمة المشهد الثقافي الحالي، ويمكن تحليل النقاط التي طرحتها من خلال عدة زوايا تعكس واقعاً مليئاً بالتحديات البنيوية والفكرية كما يلي:
1. أزمة البحث العلمي وحصر المنافسات في "القوالب التقليدية"
واضح غياب مسابقات البحث العلمي الجادة مقابل طغيان المسابقات الأدبية كالشعر، وحتى عند وجود مسابقات بحثية، فإنها تعاني من عدة قيود:
الحصر الفئوي: تقتصر أغلب المسابقات على الطلبة أو أساتذة الجامعات، مما يقصي المثقف الحر أو الباحث المستقل الذي لا ينتمي لمؤسسة أكاديمية رسمية.
القيود العمرية: تحديد السن (تحت الـ 30 أو الـ 40) يقتل فرص أصحاب الخبرات والنضج الفكري الذين قد يمتلكون رؤى أعمق.
التخصص المفرط: الإصرار على أن يكون البحث في "مجال محدد جدا" يمنع التلاقح بين التخصصات ويحد من حرية البحث والثقافة.
2. "القوالب" والنمطية في العمل الثقافي
انتقدت بشدة وضع المبدع في قوالب جاهزة، حيث يُفرض على الشخص تعريفاً محدداً (روائي، ممثل، فنان) ولا يُسمح بالتداخل بين هذه الأدوار .
صعوبة النشر للمثقف الموسوعي: مثال الشخص الذي قرأ مئات الكتب في مجالات متنوعة، ومع ذلك يجد صعوبة في النشر لأنه لا يمتلك شهادة تخصصية أو لا يندرج تحت تصنيف "روائي".
تحديد موضوعات البحث: فرض موضوعات فرعية جداً وغير ذات جدوى (مثل البحث في الزراعة في مصر في الستينيات)، ماهو الا "تحديد ممل" يقتل الإبداع ويحول المسابقات إلى مجرد استعراض فني لا يقدم قيمة حقيقية.
3. غياب الاهتمام باللغات كأداة ثقافية
وهنا نقطة هامة تتعلق بعدم وجود مسابقات للغات:
استغرب بشدة من تجاهل اهمية تعلم و إتقان اللغات المختلفة، رغم أهميتها كجسر للتواصل المعرفي والحضاري العالمي .
المبادرات الموجودة تظل "دورات داخلية" للمراكز وليست مسابقات عامة تفتح آفاقاً للمبدعين ومحبي اللغات .
4. الفجوة بين "النظرية" والواقع الثقافي
يقودنا إلى مفهوم "النخبوية" وكيف يتم استخدامه لعزل الجمهور:
الشروط التعجيزية: وضع شروط أكاديمية أو مؤسسية للباحثين يستبعد فئات واسعة من المبدعين ويجعل الثقافة حكراً على شريحة معينة.
غياب التفاعل الحقيقي: تحول الأنشطة الثقافية إلى "تلقين" من طرف واحد، حيث يظل الجمهور في دور "المتلقي والمستمع" فقط دون إتاحة الفرصة للمشاركة أو إبداء الرأي.
..المشهد الثقافي يعاني من "الشللية" أو المجموعات المغلقة التي تدعم بعضها البعض، مما يجعل المثقف المستقل يكتب لنفسه ويقرأ لنفسه في نهاية المطاف.
5. الطبيعة التلقائية للإبداع مقابل "الدليڤري"
إن الإبداع الحقيقي لا يمكن جدولته أو وضعه في قوالب مسبقة:
الإبداع وليد اللحظة: الشعر والرواية والفكر هي أمور تلقائية لا تخرج بطلب رسمي أو ضمن "فورمة" محددة (مقدمة، خاتمة، عناصر درس).
رفض التكرار: المبدع الحقيقي يمل من تكرار نفس الصيغ، بينما المؤسسات الثقافية تصر على "النمط" التقليدي الذي يقتل روح التجديد.
6. المحرك المادي والمكسب السريع
المحرك الأساسي لهذه الأنشطةوالقوالب هدفها الأساسي هو "المكسب المادي" أو النجاح في الامتحانات، وليس القيمة الفكرية أو الرسالة الثقافية، وهو ما يتعارض مع جوهر الفن والثقافة.
رؤيتي تشخص مشهداً ثقافياً "مقولباً" يقدس الشكل على حساب المضمون، ويحصر الإبداع في ممرات ضيقة تخدم المؤسسات والأفراد ذوي الحظوة، بينما يظل المثقف الحر والباحث الحقيقي على الهامش، يمارس إبداعه في عزلة بعيداً عن المنصات الرسمية .
وهذا ايضا تحليل مليء بالنقد الذي يتناول "أزمة الثقافة والبحث العلمي" في مواجهة طغيان "الرواية والحكاية".
1. ندرة المسابقات المتعلقة بالمقال والبحث العلمي
هنا ملاحظة واقعية ومؤلمة وهي الصعوبة البالغة في إيجاد منصات أو مسابقات تحتفي بـ المقال الأدبي أو البحث العلمي الرصين.
وهذا يدل علي فجوة معرفية كبيرة؛ فالمؤسسات الثقافية تميل إلى دعم "المنتج الفني" الجاهز للاستهلاك الجماهيري، بينما يتم تهميش "المنتج الفكري" الذي يتطلب مجهوداً ذهنياً وتحليلياً أعمق. هذا يعكس تحولاً في الأجندات الثقافية التي باتت تعطي الأولوية للجماليات على حساب المنطق والأدلة.
2. طغيان الرواية والشعر "الكلام الخايب"
انتقدت بشدة كثرة مسابقات الرواية والشعر، ووصفتها أحياناً بـ "الكلام الفاضي" و"الكلام الخايب".
: وجهة نظري هنا هي أن المجتمع الثقافي غرق في "الفانتازيا" والخيال.
وأرى أننا "شبعنا" من القصص والحكايات التي قد لا تقدم حلولاً واقعية أو فهماً ملموساً للواقع. هذا الهجوم ليس على الفن بحد ذاته، بل على التضخم الفني الذي أدى إلى ضمور العقل النقدي والبحثي.
3. النخبوية والتعجيز في شروط البحث العلمي
يظهر ايضا أن المسابقات القليلة المتاحة للبحث العلمي تضع شروطاً تعجيزية، مثل ضرورة الحصول على دكتوراه أو شهادات ترشيح خاصة.
هنا مشكلة "أكاديمية الثقافة"؛ حيث يتم احتكار البحث في دائرة ضيقة من المتخصصين، مما يمنع "المثقف الطبيعي" أو الهاوي المجتهد من المشاركة. هذا يخلق حاجزاً بين العلم والمجتمع، ويجعل البحث العلمي وظيفة "رسمية" بدلاً من أن يكون شغفاً فكرياً متاحاً للجميع.
4. "حكاوي القهاوي" و الهروب من الواقع
وهو الوصف اللائق للروايات والمسرحيات التي تملأ المشهد.
معظم هذه الأعمال هي نوع من الهروب من مواجهة المشاكل الحقيقية على مستوى العالم. يجب ان نعود إلى "الواقعية" والعيش في الحاضر بدلاً من الانغماس في الأوهام والخرافات أو حتى القصص التاريخية التي قد تُروى بأسلوب خاطئ أو غير دقيق.
5. التكلف اللغوي و"الفذلكة" الأدبية
نلاحظ الأسلوب الأدبي المتقعر والتلاعب اللفظي الذي يلجأ إليه الكتاب للهروب من المباشرة.
إن الالتفاف حول الفكرة من خلال "الرواية" نوعاً من استغباء القارئ. تساؤلى الجوهري هو: لماذا لا نكون مباشرين؟. بالنسبة لي، التقعر اللغوي هو "فذلكة" لا داعي لها في عصر يحتاج إلى الوضوح والسرعة في نقل المعلومة.
6. الفجوة الزمنية (أدب القرن الماضي في عصر الإنترنت)
الرواية والحكايات كانت وسيلة تسلية قبل 100 أو 200 عام لعدم وجود بدائل.
هذه نقطة مهمة جداً؛ فأنا اقارن بين زمن "ما قبل الراديو والتلفزيون" وبين العصر الحالي الذي يضج بالمسلسلات، والأفلام، والـ (Vlogs)، والـ (Stories) على إنستغرام. إن استهلاك الوقت في قراءة "قصة خيالية" طويلة في ظل وجود محتوى واقعي وتفاعلي ضخم هو مضيعة للجهد، وإن الأجدر هو استغلال هذا الوقت في تعلم العلوم الحقيقية أو العمل.
7. تسليع الثقافة (الجوائز كمهنة وليست موهبة)
تحول الكتابة إلى "شغلانة" (مهنة) تهدف فقط لنيل الجوائز المالية والظهور التلفزيوني.
يؤدى الي ان المشهد اصبح "إنتاج كمي" (1000 نسخة يتم توزيعها على الأصدقاء) من أجل لقب "الأديب فلان". هذا النقد يوجه لظاهرة "صناعة المثقف" الزائف الذي لا يملك مشروعاً حقيقياً بل يسعى خلف المادة والوجاهة الاجتماعية.
8. بدعة "محور المسابقة" وتضييق الأفق
اختم حديثي بنقد لاذع لمسابقات البحث العلمي التي تفرض "محوراً" ضيقاً جداً (مثل: تاريخ مصر من 1900 لـ 1950 فقط).
أرى أن البحث بطبيعته يجب أن يكون حراً ومتشعباً وتحديد محاور ضيقة جداً يحول البحث العلمي إلى "واجب مدرسي" أو "شغلانة" لجمع المال، ويؤدي إلى "ضيق أفق" الباحث الذي يُجبر على حصر تفكيره في زاوية محددة سلفاً، مما يقتل روح الاستكشاف الحقيقية.
الخلاصة: أنا أطالب بـ "ثورة عقلانية" تعيد الاعتبار للمنطق، والبحث، والمباشرة، والواقعية، وتنبذ "الترف الحكائي"
الذي اراه معيقاً لتقدم الفرد والمجتمع في العصر الحديث.
التعليقات