بالتاكيد قرأتم الكثير من البوستات تمجد فكرة الاستغناء، وتردد شعارات مثل اعتزل ما يؤذيك وأنا أكتفي بذاتي واسعد نفسك بنفسك، كأن القوة في العزلة وقطع العلاقات مع البشر. لكني اسميه هروب من تحديات التعامل الإنساني، فمن السهل جداً أن تكون مثالياً وهادئاً وأنت وحدك، لكن الاختبار الحقيقي لمعدنك يظهر في قدرتك على التعايش مع الآخرين رغم اختلافهم وعيوبهم التي هي امر لا مفر منه.
اذا حولنا الهروب من المشاكل الاجتماعية إلى بطولة سنجعل الانسحاب عند أول عقبة اول اختيار، بدلاً من بذل الجهد في بناء علاقات ناضجة وقوية. من رائي ان القوة الحقيقية هي في امتلاك المهارة النفسية التي تجعلك تتعامل مع طباع البشر المزعجة دون أن تفقد توازنك. لاننا كائنات اجتماعية بالفطرة، والادعاء بأننا لا نحتاج لأحد هو مجرد قناع يخفي خوفنا من الخذلان أو عجزنا عن المواجهة.
هذه العبارات لم تظهر صدفة — ظهرت في لحظة أصبح فيها الإنسان يتلقى من علاقاته أكثر مما يستطيع معالجته، دون أن يمتلك الأدوات النفسية الكافية للتعامل مع ذلك. فكان الاعتزال هو الحل الأسهل الذي يبدو حكمة.
من تجربتي، مررت بمرحلة آمنت فيها بهذا المنطق تماماً — وظننت أن الابتعاد عمن يزعجونني هو النضج بعينه. لكن ما اكتشفته لاحقاً أنني لم أكن أحمي نفسي، بل كنت أؤجل تعلم مهارة لا مفر من اكتسابها.
ما أراه أن المشكلة في طريقة تقديم الفكرة لا في جوهرها — لأن ثمة فرقاً حقيقياً بين الاعتزال الواعي الذي يأتي بعد بذل الجهد، وبين الانسحاب الذي يأتي قبل أن تبدأ أصلاً.
الأول قرار، والثاني هروب يرتدي ثوب الحكمة.
من السهل جداً أن يدعي المرء النضج وهو جالس في غرفته وحيداً، لكن النضج الحقيقي هو الذي يُختبر وسط الناس واختلاف طباعهم، حيث تظهر القدرة على وضع الحدود دون الحاجة لقطع الخيوط بالكامل.
واعتقد ان هناك فرق بين الاعتزال الواعي والانسحاب ؛ فمعظم ما نراه اليوم على منصات التواصل الاجتماعي هو من النوع الثاني. والمشكلة ان هذا الهروب يمنع الإنسان من النمو النفسي، لأن العلاقات الإنسانية هي المختبر الوحيد الذي نختبر فيه مرونتنا وصبرنا.
التعليقات