الإنسانُ -مهما علا شأنه أو ضَعُف حاله- مفطورٌ على حبِّ التقدير؛ فهو الطاقة الإيجابية التي تدفعه نحو العطاء، والوقود الذي يحفزه على بذل المزيد. والتقدير المنصف هو الذي ينظر إلى الصورة الكاملة، لا إلى الثقوب الصغيرة فيها،
امتثالاً لقوله تعالى:
﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237].
وقد رسم لنا النبي ﷺ منهجاً نفسياً رفيعاً في التعامل مع الطباع البشرية، فقال:
"لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ" [رواه مسلم].
(ومعنى "لا يَفرك": أي لا يبغض ولا يكره كلياً).
فالكمالُ عزيز، والنقصُ طبعٌ في البشر، كما يقول الشاعر:
وَمَن ذا الَّذي تُرِضى سَجاياهُ كُلُّها .. كَفى المَرءَ نُبلاً أَن تُعَدَّ مَعائِبُهُ
لكننا نشهد أحياناً لحظاتٍ عاصفةً يُهدم فيها سجلُّ المزايا أمام سقطةٍ واحدة؛ فزوجةٌ قد يغمرها زوجها بالحب أعواماً، لكنه إن قصّر يوماً أو تأخر، استقبلته بعباراتٍ قاسية تُلغي ماضيه: "أنت لا تحب عائلتك، ولا تهتم ببيتك، وليس لديك أدنى شعور بالمسؤولية!".
وكذلك صديقٌ وفيّ، قد تحول بينه وبين حضور حفل لصديقه ظروفٌ قاهرة، فيُحكم عليه فوراً بالخيانة والجحود.
إن هذا النوع من الإجحاف لا يُصلح الأخطاء، بل يدفع الإنسان غالباً نحو المواجهة والعناد، أو يكسره بالشعور بالخذلان.
فالنبي ﷺ حين قال:
"إنَّما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ"
أقرَّ بأن هناك "مكارم" كانت موجودة أصلاً ولم يمحُها وجود بعض العيوب، بل جاء ليتمم ويُقوّم.
وتأمل معي لو أن طالباً وضع إجاباته كاملةً وبذل جهداً عظيماً لكنه نسي كتابة رقمه السري، فواجهه المعلم بـ "نظاميةٍ جافة" وألغى ورقتَه بالكامل!
فهل سيبقى لدى هذا الطالب شغفٌ للدراسة؟
بينما لو أنصفه المعلم، فقدّر صواب إجاباته وأعطاه حقه، ثم نبهه أو حذره من إهمال بياناته؛ لكان ذلك دفعاً له نحو مزيدٍ من الحرص والولاء.
إنَّ الإنصاف في التقدير هو الذي يُحيي النفوس، أما الإجحاف فإنه يفسد الحياة ويغلق أبواب العودة.
ماذا يعني لك التقدير؟
التعليقات