لماذا أصبحنا نجد صعوبة في الشعور بالرضا ؟

في عالمنا اصبح الشعور بالرضا اكثر صعوبة مما كان عليه في الماضي رغم توافر كثير من السبل التي تيسر الحياة ، و ألاحظ أن هناك كثير من الاشخاص يمتلكون ما يكفي ليعيشوا حياة مستقرة أو مريحة نسبيًا. فبدلًا من الشعور بالامتنان لما يملكونه ، أصبح التركيز يتجه غالبًا إلى ما ينقصهم أو ما يروه عند الآخرين. ومع هذا التفكير المستمر قد يتراجع الإحساس بالرضا تدريجيًا، ويحل محله شعور دائم بأن ما لدينا ليس كافيًا

ومن خلال ملاحظتي للبعض رأيت انه كان لحمدهم الدائم لله ورضاهم بما لديهم أثر واضح في حياتهم وفي تقدمهم. فهؤلاء الأشخاص، رغم ما قد يمرون به من ظروف أو تحديات، يعيشون حالة من الطمأنينة والسكينة والرضا، وكأن ذاك الشعور لما يملكون يفتح لهم أبوابًا جديدة من الخير والتقدم.

وربما يحتاج كل منا إلى لحظة تأمل صادقة مع نفسه ليرى كيف ينظر إلى حياته؛ هل يركز على ما يفتقده فقط، أم يلاحظ أيضًا ما يملكه بالفعل؟ وكيف تؤثر المقارنات اليومية وتوقعات المجتمع على شعوره بالرضا؟ مثل هذه الأفكار قد تدفع الكثيرين للتفكير في علاقتهم الحقيقية بحياتهم، وفي الطريقة التي يقيمون بها ما لديهم وما يسعون إليه.


العقل بطبيعته يرى في رؤية ما يمتلكه شيء من الملل والتكرار وهو بطبيعته يتحمس للشيء الناقص حتى يكمله، وللمساءل غير المحلولة لكي يحلها، والعقل بطبيعته يفقتد الغائب ويشتاق للراحل مع العلم أنه عندما يكون موجود لا يكون مقدر بنفس الطريقة، وفي هذا السياق لا يشعر الإنسان بالنعمة إلا بعدما يفقدها لأنه وهو يملكها تكون معتادة بالنسبة له، والعقل بطبيعته وخلقته لا يلاحظ الشيء المعتاد.

أرى أن من أعظم الأمور أن نحمد الله دائمًا، نحمده على ما لدينا ونشكره في كل الأحوال، سواء في الرخاء أو الشدة. فالشكر لا يقتصر على نعم محددة فقط، بل هو أسلوب حياة يملأ القلب بالرضا ويقوّي الصبر والطمأنينة في مواجهة كل الظروف.

الشكر لا يتعارض مع ملاحظة المفقود، ولا يتعارض مع طلب الخير من الله، فقد يكون الإنسان في ضيق حال ويكون شاكر، لكن في نفس الوقت يعاني بسبب ضيق الحال ويطلب من الله الفرج، فالشكر ليس معناه أن نرضى بالحال السيء ولا نرضى بالخمول ولا الاستسلام للواقع.

بالتأكيد فالحمد لا يتعارض مع الطموح، بل يدعمه ويمنحه معنى أعمق. فالشخص الذي يشكر الله على ما لديه يكون أكثر وعيًا بالنعم، وأكثر دافعًا للسعي نحو الأفضل. بل إن الشكر نفسه سبب في زيادة النعم، كما قال الله تعالى: «ولئن شكرتم لأزيدنكم». لذلك، فالتوازن بين الامتنان والسعي هو الطريق لحياة أكثر رضا وإنجازًا.

نرى ذلك حين فقد الصحة، هذه الحالة خاصة، تجعل البعض يمتن لكل شيء لكن سرعان ما ينسى وأنا منهم، أو تأخذني الحياة ولا أتذكر كم النعم التي أنا فيها، لذا أمارس عادة التدوين اليومية حول أشياء بسيطة تحدث يوميا مثل أنني أتنفس أو حتى التأمل كل صباح يذكرني بذلك

نِعَم كثيرة نغفل عنها ويمكن أن يذكرنا بها ألم في ضرس واحد فنعرف أن مضغ الطعام وشرب الماء بدون مشكلة كانت نعمة كبيرة، لكن الإنسان لن يستطيع أن يتذكر كل نعمة بسيطة عنده ولو حاول ذلك قد يجد أنه بدأ يتشاءم أو يخاف فقدان هذه النعم، وهذا أمر سيء أيضاً.

صحيح، فالعقل يميل طبيعيا إلى الانشغال بالمفقود والمجهول ويألف ما هو متاح.

لكن يمكننا تدريب أنفسنا على وعي هذا الميل. الامتنان والرضا ليسا مجرد شعور تلقائي بما نملك، بل ممارسة واعية تتطلب الانتباه للجميل والمعتاد في حياتنا قبل أن نفقده، وهذا الوعي يمكن أن يوازن بين الطبيعة الفطرية للعقل ورغبة الإنسان في النمو والاكتشاف.

الميل الفطري للعقل لملاحظة المفقود كانت تاريخياً تساعده على الاستقرار والإنجاز والنجاة من الصعاب، ربما لهذا السبب تميل عقولنا للبحث عن الشيء الناقص فهذا البحث يدفعنا للأمام، على عكس الرضا والامتنان الذي لا يدفعنا لتخطي الحدود أو التغلب على العقبات.

انا ارى ان الحمدلله والشكر والامتنان لما أعطانا الله لا يتعارض ابدا مع الطموح أو السعي للتغلب علي العقبات بل قد يدفع الإنسان للتقدم والتغلب علي تلك العقبات