العناء ليس زاهيَ الوجه، بل هو ذلك الظل القاسي الذي يلازم خطى الحياة، نكرهه بكل نبضة، لكننا نعشق الندى الذي يتركه في أعماقنا حين ينفرج عن سماء صافية. نحن بحاجة إليه، كالحاجة إلى الارتياح نفسه؛ فبدونه يفقد الارتياح طعمه، ويصبح عبئًا ثقيلًا نلهث خلف الخلاص منه. الدفء النفسي لا يكفي وحده، بل نحتاج إلى الشوق إليه، إلى الاحتياج الذي يمنحه معنىً وملذةً، فدون رغبةٍ أو عطشٍ للشيء، يذبل امتلاكه كوردة بلا ري.  ومع ذلك، يسعى الجميعُ إلى حياةٍ أقل ألمًا وأكثر هناءً، حتى من يدركون سرَّ المعاناة. نغفل عن أن النقيضَ هو الذي يُضفي على المرغوبِ قيمته العظيمة؛ فلو لم يكن العناء، لتحوَّل السرورُ إلى تافهٍ ثقيلٍ لا يُحتَمل. هو استراحةٌ تستعيدُ بها النفسُ دفءَ الحياةِ وما تحبهُ وقيمتهُ، مقابلٌ للسعادةِ كلما ازدادَ صعوبةً، ازدادَ دفءُ الراحةِ منهُ شهدًا. بعضُنا يدركُ ذلك شعوريًّا، لكن اللاواعيَ يدفعُنا إلى مطاردةِ الكمالِ في الملذةِ، عن جهلٍ أو غفلةٍ، ناسينَ أنَّ في عدمِ مبالاتِنا بمشاقِ الحياةِ تتجلَّى سعادتُنا الحقيقيَّةُ. فاللامبالاةُ بحقيقةِ الحياةِ هيَ التي تُشعِرُنا بعظمتِها، ولو فلسفْنا ما نحنُ عليهِ لأدرَكْنا تافهَتَها ووهْمَنا فيها وحمْقَنا.