يُقال إن لبنان يتصدّر نسب “العنوسة” بين النساء في العالم العربي.
قبل أن نُخرج الدفوف أو نرفع رايات الحزن، دعونا نتوقف قليلًا.
أولًا، مصطلح “العنوسة” بحدّ ذاته ليس علميًا، بل هو توصيف اجتماعي محمّل بحمولة ثقافية وضغط نفسي. المجتمع هو من يضع “ساعة توقيت” للزواج، لا الطبيعة ولا العلم. تأخر سن الزواج قد يكون خيارًا، ظرفًا اقتصاديًا، أو نتيجة لتحولات ثقافية عميقة، وليس عيبًا أخلاقيًا أو خللًا شخصيًا.
في لبنان تحديدًا، المشهد أكثر تعقيدًا:
أزمات اقتصادية متراكمة تجعل تأسيس أسرة مغامرة مالية.
هجرة الشباب بكثافة.
تحولات في أولويات النساء نحو التعليم والعمل والاستقلال.
تغيّر في مفهوم الشراكة ذاته؛ فلم يعد “الزواج لمجرد الزواج” مقنعًا كما كان.
ومن هنا تظهر النكتة الشعبية:
“يلي عندها زلمي تتمسك فيه لو خربان… القرقشة ولا الجوع!”
نضحك، لكن النكتة تكشف عقلية ندرة: الخوف من الفقدان أكبر من الخوف من السوء. كأن الخيار بين علاقة متعبة أو فراغ مطلق. وهذا اختزال غير عادل.
العلاقة الصحية ليست “نجاة من العنوسة”، ولا الزواج شهادة براءة اجتماعية.
كما أن التأخر في الزواج ليس فشلًا، بل أحيانًا نضجًا في الاختيار.
الجدية هنا تقول: المجتمعات التي تتغير اقتصاديًا وثقافيًا يتأخر فيها الزواج طبيعيًا.
والفكاهة تقول: المشكلة ليست في قلة الرجال، بل في قلة الرجال المناسبين… أو في ارتفاع كلفة “المناسب”.
ربما بدل سؤال:
“ليش ما تزوجتِ بعد؟”
نحتاج سؤالًا أذكى:
“كيف نبني بيئة تجعل الشراكة خيارًا آمنًا، لا عبئًا إضافيًا؟”
في النهاية،
القرقشة ليست حلًا،
والجوع ليس قدرًا،
والزواج ليس مسابقة سرعة.
هو قرار حياة…
ومن حق أي إنسان أن يتخذه حين يراه مناسبًا، لا حين يريده المجتمع.
التعليقات