من وحدة الأصل وطين الأرض، جعل الخالقُ التنوعَ سبيلاً للتّعارف، والتقوى ميزاناً للتفاضل.

"ومن التقوى الرضا بما أعطى الله وقدر؛ أن ننظر في الدنيا إلى من هو دوننا لنزداد شكرا ، وفي الأخلاق إلى من هو أعلى منا لنزداد من مقامِ المُنافسة.

ومن خصائص هذا التنافس:

  • التعاون لا الصراع.
  • رعايةُ أثرِ الصاحب والذودُ عنه.
  • الترفعُ عن الكيدِ والمكر؛ فكلُّ سعيٍ لإرباكِ الآخر ليس إلا استسلاماً لآفةِ الحسد.

ماهية الحسد

الحسدُ مَرضُ القلبِ، ومَحضُ الاعتراضِ على القَدَر؛ وهو تمنّي زوال النعمة عن الغير.

لماذا نحسد الآخرين؟

نحن ندرك أن جذور الحسد تكمن في أعماق النفس البشرية، وهي نزعة وجودية يهذبها يقضة الروح عبر "الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل".

إننا حين نحلل دوافعنا، نجد أننا قد نقع في فخاخ الحسد النفسية التي تستوجب الانتباه ومنها:

وهم الأفضلية: حين نغفل عن حقوقنا في التطوير والعمل، وننشغل بتمني زوال فضل الله عن الآخرين.

حب الرئاسة: عندما يغتالنا شعور أن نعم الله على الناس تهدد مكانتنا، أو تقضي علي هيبتنا، خصوصاً إذا عرفنا باحتقارهم.

الحسد الانتقامي: هو مزيج من العجز والغل، يتمنى فيه المرء زوال النعمة عمن أساء إليه تعويضاً عما اصابه.

العدالة ليست تشفياً أو إشباعاً لغلٍّ وحسد، بل هي إعطاء كل ذي حق حقه، وجبر الضرر، واستعادة التوازن؛ غايتها أن تبني ما هدمه الظلم، لا أن تهدم ما تبقى من إنسانية، وهي بمفهوم الحسد الانتقامي وبال على المجتمعات، والمؤسسات.

ضيق الأفق وشح النفس: عندما نتوهم أن نعم الله يجب أن تخضع لإشرافنا، وألا تَنفد إلا بإذننا، وأن نحوز شكرها دون سوانا.

اعتلال الظنون: عبر تشويه الحقائق، والتكلّف في التفسيرات لطبيعة النعم؛ وحتى لا نعترف بالقصور النفسي أو العجز.

مراتب الحسد: من الشعور الداخلي إلى طغيان الأفعال

تتصاعد خطورة الحسد في نفوسنا ، بأن تكون حديث نفس يشغل صاحبه ولا يتعداه، وبين أن يصبح سلوك تجره أقوالنا ويتبعه تصرفاتنا وأفعالنا، وهو حسد حبيس، وسلوكي.

1. الحسد الحبيس

وهو ما نكتمه في صدورنا في هذه المرتبة نسترشد بحديث أبي نعيم: "كلُّ ابنِ آدمَ حسودٌ، ولا يضرُّ حاسداً حسدُه ما لم يتكلمْ باللسانِ أو يعملْ باليدِ".

2. الحسد السلوكي

وهو المعنى المُراد بقوله تعالى: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}؛ أي إذا حولنا الشعور النفسي إلى فعل سلوكي.

وتبرز بعض صوره في الآتي:

التبخيس والتشكيك: استنقاصنا لإنجازات الآخر بالتهميش والاحتقار، أو الطعن فيه لسلب استحقاقه المعنوي والتسبب في زوال حقوقه المادية.

الازدواجية (النفاق الاجتماعي): تقمصنا دور المحب علنا، والهدم بالخفاء، عندما نهاجم علناً عند أول فرصة.

العدوان اللفظي والاجتماعي: تشويهنا للسمعة بالغيبة والنميمة، وإظهار الشماتة عند العثرات لكسر معنويات الآخر.

القسوة في التعامل: غياب التعاطف تجاه الآخر، والنفور منه في لحظات ضعفه، والاستخفاف بآلامه.

المحاصرة والتضييق: عندما نسعى لإفساد علاقات الآخرين بغيرهم أو نقطع سبلهم، أو نحاول "عزله" اجتماعياً أو مهنياً لضمان توقف نموه.

منهجية التعامل مع الحاسد: توازن الإحسان والوقاية

الحسد اعتلالٌ روحي ومرض وجداني تتعدد أسبابه وتتقارب علله؛ لذا فإن إدارته تكون بين الدواء والوقاية كالتالي:-

1. الدواء

يهدف إلى إطفاء نار الحسد بالمعروف والإحسان ، والدعاء له بالشفاء، والمعاملة بالمعروف والقول الحسن.

2. الوقاية

يهدف إلى الحماية الشخصية ، من خلال الكتمان، وتجنب التعالي والاستعراض، والتحصن بالاذكار والقرآن، ووضع حدود تجمع بين الأخلاق والحزم.

الخلاصة

الحسد مرض قلبي جوهرة الاعتراض على القدر، يُعالج بالمعروف والإحسان، والوقاية منه تكون بالكتمان والتحصن بالأذكار.