لا يمكن فهم اللون بوصفه خاصية كامنة في الأشياء، كما لو أنه صفة مستقلة تسكن سطح المادة. اللون ليس معطى جاهزًا في العالم، بل نتيجة تحقق مجموعة من الشروط التي تجعل الظهور ممكنًا. إنه نمط من الانكشاف لا يحدث إلا إذا اكتملت بنيته الشرطية.

في العالم قبل تحقق شروط الإدراك، لا توجد ألوان. هناك فقط إشعاع كهرومغناطيسي، وفوتونات تتحرك بترددات مختلفة، بلا طعم ولا صبغة ولا حضور بصري. هذا هو الواقع في صورته الخام قبل أن يصبح قابلاً للرؤية.

الشرط الأول يتحقق عندما يلتقي هذا الإشعاع بالمادة. فالبنية الذرية للأجسام تنتقي ترددات محددة؛ بعضها يُمتص ويتحول إلى حرارة، وبعضها يُرفض وينعكس. بهذا الانتقاء يتكوّن الطيف الخاص بكل جسم، لا بوصفه لونًا، بل بوصفه إمكانية للون.

الشرط الثاني هو وجود جهاز بصري قادر على استقبال هذا الطيف. تصل الفوتونات المنعكسة إلى الشبكية فتتحول إلى إشارات كهروكيميائية. ما يزال اللون غائبًا؛ لا توجد إلا شيفرات عصبية أولية.

الشرط الثالث يتحقق في القشرة البصرية، حيث تُفك هذه الشيفرات وتُبنى التجربة الحسية. عند هذه النقطة فقط يظهر اللون بوصفه حضورًا إدراكيًا.

ويبقى شرط رابع خفي: شرط الطاقة الكافية. فعندما تضعف الإضاءة، يقل سيل الفوتونات، فتفقر الإشارات، وتعجز المنظومة الإدراكية عن إتمام التفسير، فتتلاشى الفروق بين الألوان المتقاربة. لا لأن الأشياء تغيّرت، بل لأن شرط الانكشاف لم يكتمل.

وليس كل ما في الطيف قابلاً للانكشاف للبشر. فبعض الكائنات، كالنحل، تمتلك مستقبلات ترى نطاق الأشعة فوق البنفسجية الذي يبقى لنا غير مرئي، بينما تبني أدمغتنا ألوانًا لا وجود لها كتردد مستقل في الضوء، مثل الأرجواني. بهذا المعنى، لا يختلف العالم المرئي بين الكائنات بسبب اختلاف الواقع الفيزيائي، بل بسبب اختلاف الشروط العصبية التي تجعل الطيف قابلاً للترجمة. كل عين تخلق عالمها اللوني الخاص بقدر ما تسمح به بنيتها.

اللون لا يسكن الأشياء ولا يولده الوعي من فراغ، بل ينشأ عند اكتمال شبكة من الشروط الفيزيائية والعصبية معًا. نحن لا نرى الضوء ذاته، بل نرى ما تسمح به شروط الانكشاف أن يُرى.