قبل أربعة عشر قرناً، اجتمع ثلة من الرجال الفضلاء، هم خيرُ مَن عرفت البشرية، يتوسطهم خيرُ الأنام الحبيب المصطفى محمد ﷺ.
كانوا يتحادثون ويفيضون بمكنونات أنفسهم، حتى أتى ذلك السؤال لرسول الله ﷺ سؤالٌ عما يحبه من هذه الدنيا.
فأجاب ﷺ بكلماتٍ بليغة آسرَة، قال فيها: «حُبِّبَ إليَّ من دنياكم: الطيبُ، والنساءُ، وجُعلت قرة عيني في الصلاة».
أن حب المرأة مستقرٌّ في النفوس بالفطرة، حُبِّبت إلى كل نفسٍ سوية؛ فهي منبعُ الجمال، وهي "الرَّحِم" الموصولة بالله، وموطنُ من مواطن الرحمة، وهي الزوجة والسكن.
أن قدرها يدركه كل أهل الأرض، سواء كان إدراكاً سليمًا يقدّر مكانتها ويصون حقوقها، أو إدراكاً مشوهاً نفعياً لمصلحة من يتعامل معها دون مصلحتها.
وهذا المشهدُ يعيدنا إلى أب البشرية آدم -عليه السلام- حين استوحشت نفسه وهو في الفردوس، فخلق الله له من ضلعه "أنثى" كانت له الأُنس، وجنةً أضيفت إلى جنته، وبها لم تزدد الجنة في عينيه بهاءً فحسب، بل استطاع بوجودها أن يأنس بالدنيا ويتحمل بصحبتها المشاق.
أما عن الهدى والنور والرسول الرحمة والقدوة ﷺ، فقد كانت النساء من أحبِّ ما في الدنيا إلى قلبه، وهو الذي لم تكن الدنيا يوماً أكبر همِّه؛ فاجتمع فيه نداءُ الفطرة فيما حُبِّب إليه، وهديُ الوحي فيما أُرسل به، وامتلك قلبٌ رحيمٌ فاض عطفاً على الخلائق أجمعين.
ليمنحها ﷺ منزلةً سامية، ويُقر لها أسمى الحقوق، وأنبأها بثوابها مقابل واجباتها، ثواب يضمن لها رفعة المآب وكريم المنزلة في الآخرة لمن عملت وصبرت. فمن سارت على نهجه عاشت عيش الكرام.
قال المصطفى ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
وقال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19].
ولقد قرر الإسلام للمرأة حقوق ماليةً مستقلةً وأهليةً كاملة، مكرساً حقها في ممارسة التجارة والعمل بما يتوافق مع مصلحتها ومصلحة مجتمعها، مقتديةً في ذلك بأم المؤمنين السيدة خديجة -رضي الله عنها- التي كانت نموذجاً للاستقلال الاقتصادي والريادة.
ولم يقف الشرع حائلاً دون سعيها في الأرض زراعةً أو صناعةً أو كسباً، بل جعل طلب العلم فريضةً عينيةً عليها لتفهم ربها والطريق اليه، كما هو على الرجل، وهو ما تجلى في سيرة السيدة عائشة -رضي الله عنها- التي غدت مرجعاً فقهياً ومحدثةً تُشد إليها الرحال.
وبذلك، أضحى عمل المرأة وتعلّمها وسيلةً لتحقيق مقاصد الشريعة في حفظ المال والعقل، ضمن إطارٍ من الضوابط الأخلاقية التي تحفظ توازن الأسرة وتصون كرامة المجتمع.
لقد استقرت وصايا المصطفى ﷺ بالمرأة كمنهجٍ لتقرير الشراكة والكرامة، لا مجرد العطف والشفقة؛ فجعل الشريعة سياجاً يحمي حقوقها الأصيلة لا وصايةً تلغي إرادتها.
فالرجل في ميزان الإسلام حامٍ لمصالحها، وشريكٌ لها في استخلاف الله لهم في الأرض.
والمرأة في منظور الوحي كيانٌ يجمع بين العزة الفردية والمكانة الأسرية، وهي قبل ذلك شقيقة الرجل في التكاليف والجزاء.
وإذ اكرمها الإسلام بأن أناط بها الدور الاستراتيجي في بناء الجيل (صناعة الإنسان) تكليفا وتشريف، ليتكامل مع بقية أدوارها في الحياة، ويتناسب مع قوة عاطفتها ومرونة أسلوبها؛ فالتاريخ الإسلامي يشهد بأنها كانت العالِمَة التي تفتي الفقهاء، والمجاهدة التي تحفظ نصوص الدين، والطب، وغيرها من العلوم، فما من نهضةٍ حضارية إلا وكانت المرأة ركنها الركين، وما من عالم أو قائد أو سلطان إلا كانت المرأة حاضرة وشريكا في حياته وتاريخه منذ نشأته حتى وفاته.
وفي تاريخنا الحديث، لم تجهل الشركات ولا الدول ولا الأفراد قدر المرأة وقوة تأثيرها، وتميزها الفطري في خَلْقها وخُلقها؛ فأصبحت رقماً صعباً وذات قيمة في كل ميدانٍ تخوضه.
ولكن شتان بين من يحصر قيمتها في إطارٍ "مادي تجاري" أو نفعي وفق هواه، فيختزل كيانها في عمرها أو لونها أو نبرة صوتها، وبين من يدرك قيمتها في جوهر كرامتها وفكرها وكينونتها، سواء كانت في ريعان العشرين، أو بلغت وقار الستين والسبعين؛ فيحفظ لها حقها في القدر والمكانة، ويعاملها بالمودة والرفق والاحترام، ويقدم لها العون والخدمة كلما تقدم بها العمر.
شتان بين من يقيس قيمتها بمقدار ربحه من أثرها وعملها، وبين من يراها كِياناً أسمى، يشركها في حياته ويشاركها في حياتها؛ شتان بين من يكرمها لذاتها، ومن يريدها "رخيصة" لغاياته.
لماذا تُطلب المرأةُ "رخيصاً"؟
يطلبونها رخيصة عند يتم تغيبها عن حقها بأن تكون حياتها متزنةً بين طموحها المهني واستقرارها الأسري، إن من يريدها رخيصة يزعجه رؤيتها صابرة راضيه في أسرتها، كما هي صابرة راضية في مهنتها، عندما يطلب منها أن تكون لطيفه متفهمة في أعمال السوق والشركات، ولا يهتم بأي حال تعود به إلى بيتها وسكنها، من يريد منها خلق جميل تمارسه فقط في العمل، ويزعجه بأن تحافظ على خُلق يُحَصّنها، او ستراً يصونها.
يسترخصونها عندما يدركون قوة جمالها وأثره، فيطلبونها متعلمةً علم ينمي الأرصدة المالية، ويكرهون لها علما يعزز الأرصدة الخلقية، والوجدانية، علم تُضيء به دروب الحياة.
يُبخسونها قدرها حين يريدونها جسدًا يعمل ليلَ نهار، ثم يلومونها على خير تقدمه لسكنها ومستقرها.
يبخسونها عندما يشغلوا قلبها بما يحقق منها الأرباح، ويقفون بين قلبها وبين ربها، وبينها وبين حياة زوجية تقوم على المحبة والسكينة.
يسترخصونها عندما يريدونها ناجحةً في ميدان العمل لتحقيق الأرباح المادية، بينما يتجاهلون –عن عمدٍ– تذكيرها بنجاحها الأسمى في مملكتها الأسرية، وقيمتها الفكرية والمعنوية.
يسترخصونها عندما يريدونها "حرةً"؛ لا لتملك إرادتها في البناء والعلم والعمل والتربية، بل إرادة محددة المعالم، بخطوط تقودها لتعمل بمثن بخس.
يسترخصونها عندما يريدونها "صاحبة قرار"؛ لا لتقرر بناء أمة أو صناعة أجيال، بل ليكون قرارها مرسوماً ومرهوناً بأيديهم.
يسترخصونها عندما يريدونها بملابس شبه عاريه؛ ليس حرصاً على راحتها، بل لتكون وسيلة استثمار تجاري.
يسترخصونها عندما يدعونها لتهتم بمظهرها، لا لتكون حميلة بمفهوم قول الحبيب ﷺ: «إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمال»، الذي يشمل الخلق والفكر والمعنى، بل جمالٌ مخصص كمادةٍ دعائية.
فأيُّ بخس هذا التي يسلب الجوهر ويلمّع المظهر؟ وأيُّ بخس لقدرها ذاك الذي يهدم الكرامة ليقيم سوقاً للاستهلاك؟
ويا للعجب! حين نرى من يختزل حقوق المرأة في مكاسب مادية، فيستغل كفاحها ليجني الأرباح، بينما يحرمها أبسط حقوقها اذا عملت معه، فلا يبقى لها من الوقت إلا ساعات تستعيد فيها أنفاسها؛ فلا يبالي بما يصيب قلبها من قهر، وما يصيب روحها من إرهاق.
إن الحقوق التي تُرفع شعاراتها على الشاشات تظل ناقصة ما لم تضمن للمرأة كرامتها النفسية قبل المادية.
إن المرأة ليست مجرد وسيلة إنتاج أو أيقونة جمال، بل هي كيانٌ وهوية شرفه الله لتكون خير ما في الدنيا بصلاحها، وقوتها التي تبني الحضارة بصمت، وتُدير الحياة بوفاء.
ختاماً: إن إنصاف المرأة ليس منّة من أحد، بل هو أمانة شرعية؛ تبدأ بإعطائها حقها في العلم والعمل، وتكتمل بحفظ حقها في السكينة والتقدير والتكريم، لتظل كما أرادها الخالق: تعيش عزةً في الدنيا، ونعيماً في الآخرة.
التعليقات