إن الإنسان مجموعة من المبادئ والأخلاق، ولكل شخص هويته الخاصة وأسلوبه المتميز الذي يعكس شخصيته وقناعاته.
غير أن المحيط الاجتماعي، من أصدقاء وعائلة، إضافة إلى بيئة التعليم والعمل، يلعب دورًا جوهريًا ومؤثرًا في تشكيل هذه الشخصية، سواء بشكل إيجابي أو سلبي.
تُعد معتقدات الآخرين عنا من أكثر العوامل تأثيرًا في سلوكنا وتوجهاتنا، إذ غالبًا ما يُبنى تصور معين عن الشخص، ويُنتظر منه أن يتصرف وفق هذا الإطار المحدد.
وفي لحظات معينة، قد يجد الإنسان أن معتقدات الآخرين عنه أشبه بسلسلة تلتف حوله؛ فأي تصرف خارج هذا التصور قد يُقابل بالاستغراب، أو الريبة، أو حتى بالسخرية الشديدة.
هذا الضغط المستمر قد يدفع الفرد إلى التصرف بطريقة لا تنسجم مع مشاعره الحقيقية ولا مع أسلوبه الخاص، فقط لتفادي الرفض أو الانتقاد. وتزداد هذه التحولات عندما يكون الإنسان متعطشًا للعلاقات والانتماء، أو عندما يمر بتحديات نفسية أو اجتماعية، أو حين تُفرض عليه معتقدات الآخرين بالقوة.
ففي نظر البعض، يُعد خروج الشخص عن تصورهم المرسوم عنه تقليلًا من شأن آرائهم أو تهديدًا لتوقعاتهم، وربما مساسًا بهيبتهم أو صورتهم أمام الآخرين.
ولهذا، قد يسعى بعض هؤلاء بكل الوسائل إلى دفع الشخص ليكون كما يعتقدون، حتى وإن كان هذا المعتقد سلبيًا سيئا أو ظالمًا.
وقد يصل الأمر إلى استدراجه إلى مواقف صعبة، أو إخضاعه لاختبارات بين الإغراء والقسوة، لإجباره على التصرف بما يتوافق مع الصورة التي رسمت عنه سلفاً، لا مع حقيقته.
ورغم ذلك، فإن امتلاك الإنسان لأسلوبه الخاص وحرية تصرفه لا يعني التمرد على القيم أو التخلي عن الأخلاق، بل على العكس، هو تعبير صادق عن وعيه بذاته وتمسكه بالقيم النبيلة.
فالقيم الحقيقية لا تُقيد الحرية، بل توجهها وتحميها من الانحراف.
وعندما يعيش الإنسان وفق توقعات الآخرين بدلًا من قناعاته، فإنه يفقد صوته الداخلي شيئًا فشيئًا، ويصبح أسير صورة لم يخترها بنفسه.
إن الحرية الحقيقية تكمن في أن يكون الإنسان متوازنًا؛ يحترم محيطه دون أن يسمح له بمصادرة هويته، ويحافظ على أخلاقه دون أن يخضع لتوقعات مسيطرة تُفرغه من ذاته.
وهنا يبرز تساؤل مهم:
إلى أي مدى تؤثر معتقدات الآخرين عنا في تشكيل شخصياتنا وقراراتنا؟
وهل نحن من نختار ما نكون عليه فعلًا، أم نعيش أحيانًا كما يريدنا الآخرون أن نكون؟
التعليقات