حين يتحول الجهل إلى نعمة، والتعليم إلى لعنة

يولد الإنسان جاهلا، وهذه ليست إدانة، بل امتياز. فالجهل الأول ليس نقصا، بل مساحة مفتوحة للدهشة. الطفل لا يعرف شيئا، لكنه يملك كل شيء: يملك السؤال. يملك الجرأة على لمس المجهول، والضحك في وجه الغموض، والركض خلف كل ما لا يُفهم. هذا الجهل البريء هو بذرة الفلسفة، ومفتاح الاكتشاف، ونقطة الانطلاق نحو المعنى.

لكن ما إن يدخل الطفل إلى مؤسسات التعليم، حتى يبدأ التآكل. لا تآكل المعرفة، بل تآكل الفضول. لا تآكل الجهل، بل تآكل السؤال. فيتحول الجهل من حالة طبيعية إلى غباء مصنّع، مصقول، معتمد، وممهور بختم رسمي.

الجهل البريء: سؤال لا يخاف

الطفل يسأل: لماذا السماء زرقاء؟ لماذا لا نضحك طوال الوقت؟ لماذا نموت؟

هذه الأسئلة ليست عبثا، بل هي نداءات الروح نحو الفهم. الجهل هنا ليس عيبا، بل هو بداية الطريق. لكن التعليم التقليدي لا يحتفي بالسؤال، بل يحتفي بالإجابة. لا يعلّم كيف نبحث، بل كيف نحفظ. لا يعلّم كيف نناقش، بل كيف نكرر. وهنا تبدأ المأساة.

التعليم المعلّب: قتل الفضول

في المدارس، يُطلب من الطالب أن يكتب ما قاله الأستاذ، لا ما فكر فيه. أن يردد ما في الكتاب، لا ما في عقله. أن ينجح في الامتحان، لا في الحياة.

الامتحان لا يقيس التفكير، بل يقيس التذكر. والنتيجة؟ أجيال من المتعلمين الذين لا يعرفون كيف يسألون، ولا كيف يشكّون، ولا كيف يبتكرون.

مثال بسيط: طالب يكتب فكرة جديدة في ورقة الامتحان، فيُعاقب بدرجة منخفضة لأنه لم يلتزم بالنص. بينما طالب آخر ينسخ الإجابة حرفيا، فيُكافأ بالدرجة الكاملة. هنا يصبح الغباء هو الجائزة، والفضول هو الجريمة.

الغباء المصنّع: شهادة بلا وعي

الخريج قد يحمل شهادة جامعية، لكنه لا يحمل قدرة على التفكير. يعرف كيف يملأ النماذج، لكنه لا يعرف كيف يطرح سؤالا. يعرف كيف يكرر، لكنه لا يعرف كيف يبدع.

التعليم الذي لا يعلّم التفكير هو تدريب على الطاعة، لا على الحرية. والنتيجة؟ أجيال من "الأذكياء رسميًا" و"الأغبياء عمليًا".

تأملات فلسفية

ماركس رأى أن التعليم في المجتمعات الرأسمالية يخدم السوق لا الإنسان.

نيتشه اعتبر أن التعليم الذي يقتل الإرادة الحرة أخطر من الجهل.

وسقراط، الذي عاش فقيرا، كان يرى أن المعرفة الحقيقية تبدأ بالسؤال لا بالإجابة.

التعليم الذي لا يعلّم السؤال، لا يعلّم شيئا. بل يقتل أعمق ما في الإنسان: فضوله.

أمثلة من الواقع

  • موظف يحمل شهادة عليا، لكنه لا يعرف كيف يحل مشكلة بسيطة خارج تخصصه.
  • خريج جامعة يردد نظريات قديمة دون أن يسأل عن صلاحيتها اليوم.
  • أنظمة تعليمية تخرّج آلاف الطلاب سنويا، لكنهم عاجزون عن التفكير النقدي أو الإبداع.

هذه الأمثلة لا تدين الجهل، بل تدين التعليم. لأن الغباء هنا ليس طبيعيا، بل مصنّع، ومكرّس، ومُحتفى به.

إعادة تعريف التعليم

أن يولد الإنسان جاهلا، فهذه نعمة. لأن الجهل بداية الفضول.

لكن أن يتحول التعليم إلى مصنع لقتل الفضول، فهذه لعنة.

الحل ليس في رفض التعليم، بل في إعادة تعريفه. أن يكون رحلة نحو المعنى، لا سباقا نحو الإجابة.

أن يكون احتفاء بالسؤال، لا احتقارًا له.

عندها فقط، لن يصبح التعليم طريقا إلى الغباء، بل إلى الحكمة.