يقال إن الغضب يكشف حقيقتنا، وعادة ما تكون هذه المقولة سبب في خراب بيوت وعلاقات كاملة، لأنها تقضي بالحسم على أمر لا حسم فيه، وفي الحقيقية فعلاً هذه مقولة مريحة، لكنها فلسفيًا مقولة كسولة جداً كسولة وتقدم تفسيراً مشوهاً عن الغضب أحياناً، لأنها تفترض أن للإنسان جوهرًا ثابتً واحد، ينتظر لحظة الانفجار كي يظهر، وبالتالي تفترض أن الإنسان كائن غير صادق بطبعه وأنه يعيش كممثل طول الوقت، لكن ماذا لو كان الغضب بدل أن يكشف الحقيقة، يستدعي شخصية بعينها من مخزون ذواتنا الممكنة؟

عند عودتما إلى تاريخ الفلسفة والنقاش الفلسفي حول هذه الإشكالية، نجد مثلاً أن نيتشه لم يكن بعيدا عن هذا حين لمح إلى أن الإنسان ليس جوهر ثابت أو ذات واحدة، بل هي كزيج من صراع قوى داخلية وفوكو لاحقًا فكك فكرة الذات الأصيلة أصلا، معتبرا أن ما نسميه ذاتاً ليس إلا نتاج علاقات قوة وسياقات بهذا المعنى، غضبك ليس خروجًا عنك، بل دخول فيك… أي أنه يتم إعادة صناعتك بالغضب.

لكن بالنسبة لي لا أرى أن الأخر يمكن أن يُشكلنا كلياً، بل يشكل جزء من عضبنا لكنه لا يغيير ذواتنا بالكامل لأننا في النهاية قادرين على الغضب بطريقتنا أيضاً، غضباً يعكس مبادئنا وقيمنا، بل وفي الغضب مساحة لاضهار من قيمتنا الحقيقة وقيمة من أمامنا، من تحبه فعلاً لا يوجد غضب في الدنيا يمكن أن يجعلك تؤذيه او تدمره، فالتحقير والأذى وقت الغضب دليل على مكانتك الحقيقية عند الأخر، وفي النهاية نحن نغضب بشكل مختلف كل مرة أو كل شخص، أمام الأب بكسرة، أمام الحبيب نغضب بشوق وخوف، أمام المدير نغضب بعناد، أمام العدو نغضب بتحدي، و أمام الضعيف نغضب بشفقة، وفي كل حالة نكون ذواتاً جديدة، أحيانا نكون عقلانيين، وأحيانا وحوش، وأحيانا ضحايا...... لو كان الغضب هو الحقيقة، فأي هذه النسخ هي الحقيقية؟

ولكي لا نبسط الغضب أكثر مما ينغي يجب أن نتذكر أن الغب من بين الأنفعالات الحساسة الأكثر بساطة ووضوحاً وأيضاَ ذكاءاً، فالغضب أيضاً مهارة، فنحن نرفع صوتنا حيث نأمن العواقب، ونكتمه حيث نخشى الخسارة، نختلق الغضب لنغوي به أو نخيف به الأخرين، كما يمكن أن نكتم الغضب و نتظاهر بالفرح والرضى.