لماذا يفشل الأهل في التعبير عن مشاعرهم لأبنائهم؟

من المسلمات المتعارف عليها أن الأهل يحبون أبناءهم حباً فطرياً ويسعون لمصلحة أبنائهم...لكن فعلياً تجد تصرفات بعض الأهالي لا تعبر عن أية حب وكأنهم لا يعرفون كيف يعبرون عن مشاعرهم بصدق لأبنائهم.

كنت أسمع من شكاوي الفتيات بل وألاحظ أيضاً أن بعض الأهالي - وأعتقد أنهم ليسوا قلة- وكأن ليس في قاموسهم مفهوم الكلمة الحنونة والاحتواء والحب الغير مشروط لأبنائهم.

بل بدلاً من ذلك يظهرون القسوة والتوبيخ واللوم بل وذكر ماعانوه من أجل ابنائهم اعتقاداً منهم أن ذلك لمصلحة الابن وأنهم يريدونه أن يكون أفضل!

لكن ما يصل للابن هنا رسائل مثل أنه عبء على أهله أو ليس محبوباً لذاته بل فقط عندما يكون مطيعاً وتضعف علاقة الابن بهم.


أعتقد أن السبب الأساسي وراء هذا السلوك يعود إلى طريقة التنشئة نفسها التي نشأ عليها الأب والأم. كثير من الأهالي الذين يعبرون عن حبهم بالقسوة أو التوبيخ هم في الأصل تربوا على نفس الأسلوب، حيث كان الحب مرتبطًا بالإنجاز والطاعة وليس بالاحتواء والقبول غير المشروط. هم ينقلون ما تعلموه على أنه الطريقة “الصحيحة” للتربية، معتقدين أنهم بذلك يحمون أبنائهم ويجهزونهم للحياة، بينما في الواقع تصل الرسالة عكسية أحيانًا وتشعر الابن بأنه غير محبوب لذاته.

وبمعنى آخر، هذه الطريقة ليست بالضرورة نتيجة قلة حب، بل نتيجة نمط تربوي متوارث لم يعرف الأهالي من خلاله كيف يعبرون عن الحب بلغة الحنان والقبول. لذلك، تغيير هذا الأسلوب يحتاج أولاً وعي الأهل بأن الحب الحقيقي لا يختصر في التوبيخ أو الذكر المستمر للمعاناة الماضية، بل في دعم الأبناء وإعطائهم شعور الأمان والقبول مهما كانت أخطاؤهم.

سمعت من أحد الأباء - الذين اشتكى ابناؤهم من قسوتهم في التربية- أنهم يتعاملون معهم برفق مقارنة بما تعرضوا هم له عندما تمت تربيتهم...

غالبا ما يبدأ وعي هؤلاء الآباء بالمشكلة من وعي ابنائهم أنفسهم أن معاملة أهلهم تلك لا تعني الكره وإنما سوء تعبير عن الحب ويصارحونهم بما في أنفسهم...منهم من يحزن ويحاول اصلاح علاقته بأبنائه، لكن قرأت قصة لفتاة حدث معها العكس وزادت قسوة أهلها معها بعد مصارحتها لهم بما تعرضت له من أذى ناتج من معاملتهم تلك.

أضيف على كلامك أن هناك مؤثر مهم يمكن أن نغفل عنه وهو العامل الوراثي والجغرافيا ، تبين أن اللغة التعبيرية عن الحب ترتبط بالجنيات والجغرافيا ، يمكن أن نلاحظ أن مناطق معينة يكون فيها التعبير عن المشاعر اكثر انسيابية من مناطق أخرى الجبلية والصحراوية أو الأماكن ذات التضاريس الصعبة تعكس على لغة أهلها بلغة جامدة وقاسية ، تكون فيها التعبيرات عن المشاعر شبه منعدمة، عكس المناطق السهلة جغرافيا، تكون ميالة للعدوبة الغوية وسهولة التعبير عن المشاعر.

يبدو أن ذلك بسبب صعوبة هذه المناطق الجبيلة والصحراوية فتتطلب ممن يقتنوها القوة والجلد، فأصبحت هذه طريقة الآباء في تربية أبنائهم حتى ينشؤوا أشداء قادرين على مواكبة صعوبات هذه البيئة، والعكس في المناطق السهلة التي لا يعاني سكانها فيها بل يعشون إلى حد ما في راحة وترف.