10

الانسان يبحث عن المعنى أم المتعة؟

سميرة بنت عشرينية جميلة جدًا، اجتهدت لتحقق ذاتها فقررت أن تكون متميزة في دراستها وتحصل على شهادات عليا في مجالها. لكنها منذ بدأت تشاهد الناس على السوشيال ميديا، بدأت تشعر أن كل ذلك لا معنى له، صديقاتها اللاتي لم يكملن دراستهن ومع ذلك هن يسافرن، يبتسمن في صور معدلة بالفوتوشوب في مطاعم فاخرة و في شواطئ البحر الغالية، ومنهن من تزوجن وأنجبن، ويتفاخرن بحياتهن الزوجية ، يتحدثن عن اللحظة وعن الاستمتاع بالحياة، بينما هي تقضي لياليها بين الكتب والمراجع، لذلك ستكمل دراستها على مضدد، في الأخير تتخرج كأي خريج أنهى مساره الجامعي ، ولأنها كانت عاشقة للفن التشكيلي، فقد عكفت بعد التخرج على تجهيز معرضها الفني وبدأت في بناء سمعة فنية جيدة، وبدء صيتها يذيع قليلاً قليلاً، بدأت بالسفر وتجريب الحياة هي الأخرى، وبدأت في تجريب المتع التي لم تعرفها يوماً : متعة الانفاق، متعة الحب ، السفر، الحرية،النجاح والشهرة ، في هذه الأثناء تتعرف على رجل وتحبه ويتم الزواج، وتقرر أنها تريد أن تعرض أعمالها على نطاق أوسع، فتفتح قناة على تيك توك وبعض، منصات التواصل الأجتماعي ، وعكس ما توقعت بالضبط، لقد أحبها الناس وتكاثر عليها المعجبون بشكل مجنون، ، وأصبحت مؤثرة وصانعة محتوى ميليونية في وقت وجيز جدا.

رغم هذا النجاح الساحق، وتحقيقها لكل ما كانت تطمح له ، لكنها لم تكن سعيدة، لم تجد الحب بالصورة التي تخيلتها، ولم تجد في الشهرة مأمناً كما كانت تظن، والأسوء من ذلك أن كل نجاح نجحته، كان مجرد هروب من شيء ما داخلها، هي لا تعرفه ولا تفهمه، لذلك، ستقرر سميرة إنهاء حياتها، وبعد يوم جميل قضته مع أصدقاءها ثم بثت مباشر جميل بالساعات مع جمهورها على تيك توك، يستيقض العالم على خبر انتحارها في غرفتها ، إذ تم ايجادها صباح اليوم التالي جثة هامدة في الغرفة .

ربما مأساة سميرة تختصر سؤال الإنسان كله: هل نعيش لنستمتع أم لنفهم سبب وجودنا ومعنى حياتنا؟ سميرة هي كل شخص فينا، كل نجاح نصل إليه يجعلنا نعود الى نقطة الصفر من جديد، كل لذة تترك خلفها عطشًا أكبر، نحن لا نعرف إن كنا نركض نحو الحياة أم نهرب منها، وفي النهاية، لا يعلم الإنسان هل يبحث عن المعنى أم على المتعة؟ لأنه مع كل متعة يحققها يصبح مندفعاً للمتعة الأكبر منها، ومع كل معنى يحاول تحقيقه يجد نفسه أما أسئلة وجودية أثقل تتعبه أكثر فأكثر.


قد تكون محاولة افلاطون في محاورة الفيلفس او فيليبوس جديرة بالتأمل.

ففليبوس يصر على ان الخير هو اللذه ويدافع ابروترخس عن اللذه،

بينما في البدء يرى سقراط حياة العقل هي الاقرب الى الخير، ليصل بنا وبعد تحليل عميق لان الحياة المختلطة او الصالحة هي الاقرب للخير ، وينتقل في النهاية ان الحياة المختلطة الصالحة ذات ترتيب معين ( الاعتدال ،الجمال ،العقل،الحكمة ،العلوم ،الاراء القويمة، الملذات الخالصة) هي الحياة الخيرة.

فللخير بالنسبة لسقراط سمة خاصة من عدة سمات وهي الاكتفاء الذاتي ، وعليه فلا اللذه ولا الحكمة بمفردهما مكتفيان ذاتيا، فحياة اللذه فقط حياة بهيمية بل بلا تعقل او ذاكرة كحياة المحار المنفعل فلا يستطيع ادراك لاذته ولايملك الذاكرة لتكوين توقع للذه ، مجرد انفعالات. ونفس الامر ينطبق على الحكمة فلا احد يريد حياة راكدة لا يثيرها وينبهها اي انفعال وابتهاج. وعليه فالمزيج من كليهما هو الاقرب للخير ولكن ليس المزيج العشوائي ، بل مزيج معتدل ومتوازن.

والجميل في المحاورة التحليل العميق ، فنرى تحليل لفكرة الوحدة والكثرة والعلاقة بينهما والخطأ في تصور التعارض المطلق.، فخطأ القفز عن الحدود الوسطى والتسرع او الابطاء في الانتقال من الوحدة الى الكثرة والعكس، ومن الامثلة الصوت ،فالصوت المنطلق من فمنا ومن فم الجميع وفم كل واحد منا هو من بعض الوجوه واحد ولكنه هو عينه من ناحية اخرى متنوع بتنوع لامحدود، ولكن معرفته بانه واحد او لامحدود ليست كافيه لجعلنا علماء وانما الذي يجعل كلا منا عالما بقواعد اللغة هو ان نعرف عدد الاصوات ونوعيتها. وما يجعل المرء عالما بعلم الانغام الموسيقى هو ذلك الشيء عينه اي تحديد الاصوات ونوعيتها مثل نغم عميق ورفيع والتراكيب وابعاد الصوت والايقاع والاوزان الخ.. رغم ان الصوت واحد تقريبا في الفنين.

واللامحدود ( اللامتعين) مثل اللذه والالم والتي غير متناهية في الكثرة والقلة وبين الحد ( التعقل ) اللذي يحد من اللامحدود. ليتحول من الحدوث او الصيرورة الى الوجود.

أعتذر على الاستطراد .