ما أخبرونا به الذين ضحكوا حتى البكاء
في كتابه «الذين ضحكوا حتى البكاء»، يصوّر د. مصطفى محمود حقيقة الدنيا وصراعها الأبدي بين الخير والشر. من خلال قصصٍ ثرية بالعِبر، يروي حكايات أناس اندفعوا خلف رغباتهم وظنوا أنهم أذكى من مواجهة عواقب اختياراتهم، ليكتشفوا في النهاية أن سنن الحياة لا تستثني أحدًا، وأن القيم ليست مجالًا للمساومة أو التنازل.
نحن اليوم أحوج إلى مثل هذه الأفكار؛ في زمنٍ اختُزل فيه تقدير الناس في مظهرهم ورصيدهم البنكي، وسادت فيه رغبة الوصول السريع والربح الفوري، حتى صار البعض يتغاضى عن تبعات قراراته لمجرد أنه يتوق إلى ما يريد. ليبقى السؤال مفتوحًا: كيف نتمسك بقيمنا وقناعاتنا في عالمٍ يمجّد السرعة والمظاهر؟
أكثر ما يلفتني في د. مصطفى هو أنه كان يربط دائمًا بين الاختيار والمسؤولية وكأنّ الحرية الحقيقية لا تكون إلا بوعي العواقب. اليوم يبدو أننا نعيش في زمنٍ يُقاس فيه النجاح بسرعة الوصول لا بصدق الطريق، حتى أصبح الثبات على المبدأ يُفسَّر أحيانًا كـبطء أو جمود. لكن هل يمكن للإنسان أن يواكب هذا العصر من دون أن يتنازل عن قيمه؟ ربما التحدي ليس في التمسك بالقيم، بل في إعادة صياغتها لتناسب زمننا دون أن نفقد جوهرها. ما رأيك هل الأخلاق قابلة للتطور أم أن ثباتها هو ما يمنحها قيمتها؟
صراحة أنا أرى أن الأخلاق لا تُطوَّر، بل تُختبَر. فحين نقول نُعيد صياغتها لتناسب الزمن ، نحن لا نُطوّر القيم، بل نُعدّل مقاييسنا لنرتاح من ثقلها. القيمة التي تتغير مع الموجة لم تكن يومًا مبدأ، بل كانت مصلحة متنكرة. نعم، الزمن تغيّر، لكن الضمير لا يُحدّث بإصدار جديد. السرعة، والمظاهر، وضغط الواقع كلّها تبريرات لنهرب من مسؤولية الوقوف بثبات في وجه التيار. ولعل السؤال الحقيقي ليس هل الأخلاق قابلة للتطور؟ ، بل هل نحن ما زلنا نحتمل كلفة التمسك بها؟
كيف ستكون الأخلاق قابلة للتطور؟ يعني قيمة مثل الأمانة أو الصدق، هل ستختلف معالمها ما بين الماضي والحاضر؟ الذي تغير هو سلوك البشر في الوصول لأهدافهم، واختلاف تسمية الأشياء عكس حقيقتها، تجميلًا لها، حتى لا نصطدم ببشاعة ما نفعله فنرفضه مطلقًا. ومن هذا من يسمي الرشوة إكرامية. هل كوني آخذ مقابل غير قانوني لأعطي لشخص ما شيء ليس من حقه، أو حتى أسرّع ما هو من حقه، غيّر من حقيقة أني تحوّلت إلى مرتشي؟
سؤالك تحديدًا يجعلنا ندرك ألاعيب كثيرة تحدث تحت مسمى التفكير التقدمي والمتحضر.
التعليقات