ما أخبرونا به الذين ضحكوا حتى البكاء

في كتابه «الذين ضحكوا حتى البكاء»، يصوّر د. مصطفى محمود حقيقة الدنيا وصراعها الأبدي بين الخير والشر. من خلال قصصٍ ثرية بالعِبر، يروي حكايات أناس اندفعوا خلف رغباتهم وظنوا أنهم أذكى من مواجهة عواقب اختياراتهم، ليكتشفوا في النهاية أن سنن الحياة لا تستثني أحدًا، وأن القيم ليست مجالًا للمساومة أو التنازل.

نحن اليوم أحوج إلى مثل هذه الأفكار؛ في زمنٍ اختُزل فيه تقدير الناس في مظهرهم ورصيدهم البنكي، وسادت فيه رغبة الوصول السريع والربح الفوري، حتى صار البعض يتغاضى عن تبعات قراراته لمجرد أنه يتوق إلى ما يريد. ليبقى السؤال مفتوحًا: كيف نتمسك بقيمنا وقناعاتنا في عالمٍ يمجّد السرعة والمظاهر؟


من أروع الكتب التي قرأتها، ولكن السؤال الذي طرحتيه من نوعية الأسئلة التي وتتميز بسهولة الإجابة النظرية وصعوبة أو -في حالات مستعصية- استحالة التطبيق العملي للإجابة، في عصر سادته السرعة والمظاهر، عصر تحكمه السوشيال ميديا وعدد التفاعلات مال البعض -خاصة الشباب- إلى الطرق المختصرة للوصول للشهرة والمال مهما كانت تكلفة تلك الطرق المختصرة، مهما كانت عواقبها وبالتغاضي عن الخسائر الفادحة التي قد يخسرها في سبيل الوصول الأسرع وليشار إليه بالبنان أنه في سن صغيرة أصبح مشهورًا أو ثريًّا وينال الاعجاب والاهتمام ويتهافت عليه الجميع ليصبحوا مقربين منه وينالون من الحب جانبًا. فكيف يمنع المرء نفسه من تلك المطامع سوى بتهذيب النفس وتعلم قيمة الصبر وأهمية سلك الطرق الطويلة الشاقة لتصبح القصة حقيقية وتستحق أن تروى دون تزييف. قيمة الصبر، الرغبة في التعلم واكتساب خبرة حقيقية في الحياة، قيمة الحقيقية ورفض التزييف هم من يهذبون الإنسان.

قيمة الإنسان في هذه التحديات التي يواجهها وكيفية تعامله معها، أي كلام نظريًا سهلًا، ولكن بمقدار إيماني به سأتمسك. أما ما ذكرت من مسألة الثقافة السائدة، فالتوازي ستجد أمامك خيارات أفضل ومستقيمة توصلك إلى نفس الهدف، نحن نقرر ما نختار. وهذا ليس تنظيرًا بل واقع يشهد عليه مئات القصص والحالات، في أي زمن لن نستطيع تلبيس الأشياء عكس حقيقتها.

نعم تمامًا بمقدار إيمانك به ستتمسكين لكن ليس في كل الاحوال، في كثير من الوقت تحت وطئة الضغط النفسي والمادي والاجتماعي والاحساس بالظلم يفقد الناس الايمان بتلك المبادئ ويبدأون بالنظر إليها أنها المبادئ التي سببت لهم التراجع والخزي لأنهم لم يعودوا يحتملوا الابتلاء، لا يمكننا أن نلوم على أشخاص تعرضوا إلى ظلم كبير حتى فقدوا الإيمان بمادئهم ولم يجدوا من يعيد ارشادهم إليها فربما غدًا تحت وطئة ذات الضغوط نكون مكانهم وحينها سوف نجد لأنفسنا ألف عذر وعذر لنبرر ما نفعله. وأريد أن ألفت انتباهك أيضًا أن الطريق الأخرى الجيدة التي توصل لنفس النتائج قد لا تكون مضمونة وقد تكون منحت ظلمًا لمن لا يستحقونها ففقد المستحقين أحقية الوصول إليها، الطريق السليم الواضح لا يكون سهلا بالضرورة. لتلك الأسباب نجد أن فضيلة التماس الأعذار عظيمة جدا.