10

لماذا ما زال النقد الثقافي عندنا يهاجم أكثر مما يحلل؟

من المؤسف أن يتحوّل النقد — الذي وُجد ليضيء — إلى أداة للظلال.

فبدل أن يكون جسرًا بين الفكرة ومتلقيها، أصبح عند كثيرين سلاحًا يُشهر في وجه المبدع قبل أن يُفهم نصّه. هكذا انقلبت رسالة النقد من فنّ التحليل إلى لذّة التقويض، وكأن الناقد لا يجد قيمته إلا إذا هدم ما بناه غيره.

لقد فقد النقد العربي في كثير من منابره جوهره: الإنصات قبل إصدار الحكم.

فكأن بعض النقاد يتعاملون مع النصوص كما يتعامل المحقّق مع المتّهم، يبحث عن التهمة قبل أن يقرأ البراءة. ينسى هؤلاء أن النقد في أصله موقف معرفي، لا موقف انفعالي، وأن التحليل هو غايته النبيلة التي تفتح الوعي، لا الإدانة التي تغلقه.

ولعلّ هذا الميل إلى الهجوم له جذور في بيئتنا الثقافية نفسها؛ حيث يختلط الرأي بالشخص، والموقف بالفرد، فيغدو الخلاف الفكري خصومة شخصية. فيتحوّل النقد إلى مبارزة ego لا محاورة فكر، ويتقدّم الشعور بالرغبة في الانتصار على الرغبة في الفهم. عندها يفقد النقد نُبله، ويتحوّل إلى منبر للشحن والضغينة، لا إلى مساحة لتوسيع الإدراك.

لقد عرفنا في تراثنا نقّادًا حقيقيين، أمثال الجاحظ وابن طباطبا وابن خلدون، مارسوا النقد بوصفه قراءة في العمق، لا إطلاق أحكام من فوق. كانوا يُحلّلون الظاهرة قبل أن يُدينوا صاحبها، ويميزون بين “الفكرة” و”صاحب الفكرة”، بين “الأسلوب” و”الكاتب”. أما اليوم، فكثير من النقد الثقافي بات يُكتب بمداد الغضب لا بالحبر، فاختلطت الذات بالموضوع، والعاطفة بالتحليل، والخصومة بالرأي.

إن الهجوم في النقد، حين يخرج عن سياق الموضوعية، لا يجرح المبدع فقط، بل يُصيب الوعي الجمعي بالبلادة. لأنه يُربّي القارئ على ثقافة الرفض لا ثقافة الفهم. أما غياب التحليل، فهو ما يجعل الناقد يبدو كمن يفرّغ شحنة شخصية لا موقفًا فكريًا، وكأن النصّ مجرد ذريعة لتصفية حساب غير معلن.

لقد آن لنا أن نعيد للنقد مكانته بوصفه “حوارًا معرفيًا”، لا “معركة استعراضية”.

أن يكون الناقد عينًا ترى أكثر مما تهاجم، وعقلًا يفتح الأفق لا يُغلقه.

فالنقد الحقيقي لا يصرخ، بل يُفكّر. ولا يهدم، بل يُعيد البناء على أسسٍ أوضح وأعمق.

🔹 نافذة للقارئ:

هل ترى أن مشهد النقد الثقافي اليوم يحتاج إلى ثورة في أسلوبه، أم في نوايا من يمارسونه؟

وهل يمكن أن يعود النقد العربي إلى جوهره التحليلي بعد أن تلوث طويلاً بعواطف الخصومة؟


سؤال مهم وعميق، وملاحظتك دقيقة وفي محلها إلى حد كبير في العديد من السياقات الثقافية العربية، بما في ذلك الجزائر. هناك عدة عوامل متداخلة قد تفسر لماذا يميل النقد الثقافي (سواء الأدبي، الفني، السينمائي، أو الاجتماعي) أحيانًا إلى الهجوم والتجريح أكثر من التحليل الموضوعي والتفكيك النقدي البناء:

  • ​ضعف التقاليد النقدية المؤسسية:​حداثة التجربة: بالمقارنة مع الغرب، لا تزال مؤسسات النقد الأكاديمي والصحفي المستقلة والراسخة حديثة نسبياً في العديد من الدول العربية. هذا يعني غياب تراكم معرفي ومنهجي قوي لدى شريحة واسعة من الممارسين.
  • ​التعليم: قد لا تركز المناهج التعليمية دائماً بما يكفي على تنمية مهارات التفكير النقدي والتحليل الموضوعي مقابل الحفظ والتلقين.
  • ​هيمنة الأيديولوجيا والاستقطاب:​الاستقطاب السياسي والديني: غالباً ما تكون الساحة الثقافية مرآة للاستقطابات السياسية والدينية الحادة. يُحكم على العمل الثقافي ليس بجودته الفنية أو الفكرية، بل بمدى توافقه أو تعارضه مع خط أيديولوجي معين. يصبح النقد أداة في "معركة" أيديولوجية، والهجوم هو السلاح الأبرز.
  • ​النظرة الأخلاقية المباشرة: يميل بعض النقد إلى التركيز بشكل مفرط على "الرسالة الأخلاقية" المباشرة للعمل، ومهاجمته إذا اعتُبر "خارجاً" عن الأعراف أو القيم السائدة، بدلاً من تحليل بنيته الفنية أو أسئلته الفكرية.
  • ​تأثير البيئة السياسية والاجتماعية:​محدودية حرية التعبير: في بعض البيئات، قد يكون الهجوم (خاصة على جهات تعتبر "آمنة" للنقد) أسهل أو أقل خطورة من التحليل العميق الذي قد يمس خطوطاً حمراء سياسية أو اجتماعية.
  • ​شخصنة النقد: صعوبة الفصل بين نقد العمل ونقد الشخص. غالباً ما يُفهم نقد العمل الفني أو الفكري كهجوم شخصي على المبدع، مما يدفع إلى ردود فعل هجومية مماثلة.
  • ​دور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي:​البحث عن الإثارة: الإعلام (التقليدي والجديد) قد يميل إلى تفضيل الآراء الحادة والهجومية لأنها تجذب الانتباه وتحقق انتشاراً أوسع من التحليلات الرصينة والمعقدة.
  • ​ثقافة "الترند": وسائل التواصل الاجتماعي تشجع على ردود الفعل السريعة والعاطفية، وغالباً ما تكافئ الآراء المتطرفة أو الهجومية بانتشار أكبر.
  • ​ضعف الأدوات المنهجية لدى بعض الممارسين:​قد يفتقر بعض من يمارسون النقد (خاصة خارج الأطر الأكاديمية) إلى الأدوات المنهجية والنظرية اللازمة للتحليل العميق، فيلجأون إلى الأحكام الانطباعية أو الهجوم كوسيلة أسهل للتعبير عن موقفهم.
  • ​غياب الحوار النقدي البناء:​ضعف ثقافة تقبل النقد والحوار حول الأعمال الثقافية. يُنظر للنقد كعملية "سلبية" تهدف للهدم، وليس كجزء طبيعي وضروري لتطور الثقافة والفكر.

​لتغيير هذا الواقع، يتطلب الأمر جهداً متعدد الأوجه:

  • ​تعزيز تعليم التفكير النقدي في المدارس والجامعات.
  • ​بناء مؤسسات نقدية مستقلة ورصينة.
  • ​تشجيع الحوار المفتوح وتقبل الآراء المختلفة.
  • ​فصل نقد العمل عن نقد الشخص.
  • ​رفع وعي الجمهور بأهمية النقد التحليلي البناء.

​باختصار، النقد الهجومي هو غالباً عرض لمشاكل أعمق تتعلق بالبنية المؤسسية، والبيئة السياسية والاجتماعية، وطبيعة الفضاء الإعلامي السائد.