رأيت في الفترة السابقة عددًا من التعليقات والمنشورات وحتى صور وكوميك بتعليقات كلها تتحدث عن عمل المرأة والمرأة العاملة بطريقة سيئة للغاية، فمنهم من يتحدث بالسوء عن المرأة العاملة لدرجة الطعن في شرفها وأخلاقها واتهامها بأشياء وتصرفات قذرة مثل أنها تذهب للعمل للحديث مع زميلها أو تدليك رقبة مديرها! وكلام واتهامات شنيعة من هذا القبيل، والأسوأ أنه أصبح هناك ما يشبه المجموعات أو تكتلات ذكورية وضعت على عاتقها تشويه صورة المرأة العاملة وتكريه المجتمع فيها وامتد ذلك لتحذيرهم الشباب من الزواج بالمرأة العاملة ووصفها بالمرأة الناشز المستقوية بمالها ولسانها على زوجها وكأن من يتزوجها سيكون تابعًا لها وهي صاحبة الكلمة والسيادة وأن المرأة العاملة تكون ناشزة وذات أفكار نسوية، والعجيب أن كل من يحاول التدخل والدفاع عن المرأة العاملة يتم وصفه بـ"النورم" وكلام قذر إذا كان ذكرًا، ووصفها بالنسوية الناشزة إذا كانت المدافعة أنثى!
لماذا يتم الربط بين عمل المرأة والنشوز؟
أحيانًا يتم الربط بين عمل المرأة و"النشوز" بسبب تفسيرات تقليدية لأدوار الجنسين وتأويلات معينة (ليست الوحيدة) للمفاهيم الدينية والاجتماعية، وليس بسبب علاقة حتمية أو ضرورية بين الأمرين.
أسباب هذا الربط (غالبًا ما تكون اجتماعية وثقافية):
* التصور التقليدي لأدوار الجنسين:
في النظرة التقليدية للمجتمع، يُعتبر الرجل هو المعيل الأساسي والمسؤول عن الإنفاق، بينما يُنظر إلى دور المرأة الأساسي على أنه رعاية البيت والأبناء. ضمن هذا التصور، قد يُفسَّر خروج المرأة للعمل على أنه:
* إخلال بواجباتها "الأساسية" تجاه الأسرة.
* منافسة للرجل في دوره كمعيل أو تحدٍّ لسلطته و"قوامته" المالية.
هذه التفسيرات قد تؤدي إلى اعتبار عملها نوعاً من "التمرد" أو الخروج عن الطاعة (النشوز بمعناه التقليدي).
* الاستقلال المالي وتغير موازين القوى:
عمل المرأة يمنحها استقلالاً مالياً. هذا الاستقلال يمكن أن يغير ديناميكيات السلطة داخل الأسرة. قد يفسر البعض (خاصة في المجتمعات ذات البنية الأبوية القوية) هذه القوة المالية المتزايدة للمرأة وقدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة على أنها تحدٍ لسلطة الزوج، وبالتالي يتم ربطها بالنشوز.
* تأويلات دينية محددة (ليست الوحيدة):
مفهوم "النشوز" له أصل في الشريعة الإسلامية ويشير غالبًا إلى عصيان الزوجة لزوجها فيما يجب عليها طاعته شرعًا (وهناك نقاش واسع حول حدود هذه الطاعة). بعض التفسيرات المتشددة قد توسع هذا المفهوم ليشمل خروج المرأة من البيت للعمل دون إذن زوجها (حتى لو لم يكن هناك تقصير في واجباتها الأخرى)، معتبرين ذلك نشوزًا. ولكن، هناك تفسيرات فقهية أخرى كثيرة تؤكد حق المرأة في العمل (خاصة إذا اشترطت ذلك في عقد الزواج، أو كانت بحاجة للعمل، أو كان العمل لا يتعارض مع واجباتها الأسرية)، وترفض اعتبار مجرد العمل نشوزًا.
* المخاوف الاجتماعية والثقافية:
قد يربط البعض عمل المرأة بالتعرض لـ "مؤثرات خارجية" أو "الاختلاط" الذي قد يؤدي (في نظرهم) إلى تغير سلوكها أو تفكيرها بما يتعارض مع القيم التقليدية أو يؤثر على علاقتها بزوجها، فيستخدمون مصطلح النشوز لوصم هذا السلوك.
نقاط مهمة:
* النشوز مفهوم معقد: هو في الأصل يتعلق بالعلاقة الزوجية وعدم قيام أحد الطرفين بواجباته تجاه الآخر (ويمكن أن يصدر من الزوج أيضاً)، وليس مرتبطاً حصراً بعمل المرأة.
* الربط ليس حتمياً: ملايين النساء يعملن ويحافظن على استقرار أسرهن دون أي نشوز. الربط بين العمل والنشوز هو تفسير اجتماعي وثقافي يعكس غالباً مواقف محافظة أو أبوية تجاه دور المرأة، وليس حقيقة موضوعية.
* التطور الاجتماعي والقانوني: العديد من المجتمعات والقوانين الحديثة (بما في ذلك التعديلات في بعض الدول العربية) تعترف بحق المرأة في العمل كحق أساسي، وتفصل بينه وبين مفهوم النشوز، مع التركيز على التفاهم والتراضي بين الزوجين.
باختصار: الربط بين عمل المرأة والنشوز هو نتاج تفسيرات تقليدية ومخاوف اجتماعية حول تغير أدوار الجنسين وديناميكيات السلطة، وليس نتيجة ضرورية لعمل المرأة نفسه.
التعليقات