حبيبة هي بنت ريفية تصور ڤيديوهات طبخ بعفوية في مكان بسيط ذو طابع ريفي ولديها لازمة كلمة "بقى" تستخدمها كثيرًا في حديثها، ويبدو أن ذلك كان كافيًا عند بعض الناس ليقوموا بالتنمر عليها، سواء لكونها فتاة ريفية أو بسبب المكان والديكور أو تكرارها لكلمة "بقى"، فذلك عرضها لحملة تنمر شرسة جعلها على ما يبدو لا ترد أو تغلق التعليقات على الڤيديوهات بعد سيل من الإساءات، واستمرت في العمل والإبداع في صمت، بعدها ظهر منشور كتبته فتاة عن كيف أن الناس ظلوا يسخروا من حبيبة ولم ترد عليهم بينما هي بلؤم وكهن الفلاحين كانت تعمل بالخفاء وتعاقدت للعمل مع مطعم كبير!
طبعًا هذا الكلام يحمل قدرًا كبيرًا من الحقد والتنمر وأيضًا العنصرية ضد أهل الريف والفلاحين، فما العيب في أن ينشأ الشخص في بيئة ريفية؟! ولا تظنوا أن الموضوع خاص بحبيبة فقط فحتى الأطباء ومدرسي الجامعة أو أي شخص ناجح وذكي من أصل ريفي يتم في الغالب التنمر عليه وإطلاق عليه لقب "فلاح" حتى ولو كان يحمل الدكتوراة! أعتقد أنه لو كان من يقدم أو تقدم تلك الوصفات شخصًا آخرًا ليس ريفيًا فربما كان قد تم تشجيعه والإعجاب بإصراره ومواجهته للتنمر ورؤية أنه شخص يعمل في صمت ولا يلتفت لأحد وليس تفسير الأمر على أنه "لؤم فلاحين"!
، لكن أعتقد أن المشكلة أعمق من مجرد تقسيم مدني و رعوي، فالتفكير في الذكاء وكأنه مرتبط بالبنية التحتية أو الأدوات المتاحة فقط يجعلنا نقع في فخ حصر القدرات الإنسانية في محيطها المادي، بينما التاريخ نفسه مليء بأمثلة لأشخاص عاشوا في بيئات بسيطة أو فقيرة ومع ذلك قدموا إسهامات غيرت العالم
للسبب ده قلت إنها فرضيات، وأشرت إلى كون العديد من التصورات مفروضة علينا، كما أن الدراسة الاجتماعية لا تأبه بالأشخاص أو الأفراد، بل بالمجتمع والجماعات، وده بيخلينا نرجع للرد على النصف الآخر من كلامك (ورأي حضرتك يحترم وعلى راسي طبعا)
المسألة في رأيي لا تتعلق بكون الذكاء مدنيا أو رعويا بقدر ما تتعلق بكيفية استثماره وفتح المجال أمامه ليزدهر، وهو ما يفتقده الريف في كثير من الأحيان بسبب التهميش الاجتماعي والاقتصادي وليس بدائية المحيط، لذلك أرى أن وصم ذكاء أهل الريف بـ(اللؤم) ليس انعكاسا لحقيقة تاريخية أو طبيعية، بل مجرد تبرير ثقافي للتمييز والطبقية التي تشرعن السخرية من جماعة بعينها، برأيك، ما الحل لهذا الوصم و غيره من أجزاء آلية الحط من الآخر التي تمارسها المجتمعات لتثبيت هرم اجتماعي غير عادل؟
وصف حضرتك في ختام كلامك للمسألة بأنها نوع من (الأجزاء الآلية) على حد تعبيرك قد يفصح عن حقيقة أننا نلتقي عند نفس النقطة عينها، ونرجع إليها، لأن هذه الآلية أصلا من ضمن تفسيرات حدوثها هو (التقانة المحيطة بالمدني)، أما عن الطبقية فلها أسباب أخرى، مثلا تجد الذين يسكنون الريف، وكذلك الذين يسكنون الصحراء، والذين يسكنون العشوائيات يعنصرون بدورهم على أهم المدن بوصفهم خانيعين أو ناقصي الرجولة أو رجال أضعف من اللازم (وعيال نايتي أو سوسو أو أيا يكن). في هذا نوع من الإقرار، من الريفي بالطبيعة القاسية التي يعيش فيها، وأثرها عليه وميله إلى تفضيل القوة، على العقل (بالمناسبة عادل إمام له مشهد شهير مع القلة يشرح فيها بذكاء حقيقي العقلية الرعوية، التي لديها بالطبع كل ما لدى المدني، وعندهم نفس الذكاء أو أذكى، كل ما في الأمر، أن حياتهم قد تكون أبسط من أي تعقيد يحتاج إلى تفكير من نوع الجهد العالي التيار).
والمسألة أعقد طبعا من نثر هذه البذور كما تفضلت حضرتك
طبعا تقبل رأيي أستاذي، وممكن جدا أكون مخطئ فيه
التعليقات