الاختلاف مُش عيب، ولا التباينُ جريمة…

الاختلاف مُش عيب، ولا التباينُ جريمة…

لكننا حولناه إلى خيانة وعداوة،

وصغناه وكأنه إعلان حرب شخصية على قلوب بعضنا البعض!

كم من صداقة انهارت عند أول مفترق رأي،

وكم من إخوة تمزقوا عند أول منعطف حزبي أو تأييد سياسي…!

ننسى أن الرأي فكرة،

والفكرة ليست سيفًا يُجلد به رقاب الناس،

ولا طوقًا يُقيّد أرواحهم.

المصيبة تبدأ بلحظة صغيرة: رأيان مختلفان… قضية عامة…

فإذا بنا نغادر ساحة الفكر إلى ساحة الشتائم،

إلى حلبة كسر العظم،

وإلى تزوير الحقيقة.

وهنا يتحول الاختلاف إلى خصومة شخصية،

ثم إلى ثأر لا ينتهي…

وإلى جراح تبقى عالقة في النفوس.

وهنا، في هذا الفراغ، تكمن الكارثة الحقيقية لمجتمعنا:

نقص في الوعي وغياب ثقافة الاختلاف.

غياب التربية التي تعلمنا أن نختلف دون أن نكره،

وأن نعترض دون أن نصنّف الآخر عدواً،

وأن نلتقي في إنسانيتنا حتى لو تباعدت آراؤنا.

ما أوصلنا إلى الحروب في وطني لم تكن السياسة وحدها…

هذا الخلل العميق في وعينا الجمعي،

هذا التصحّر الثقافي الذي يجعلنا نرفض الرأي الآخر كما نرفض وجود الآخر نفسه.

والاختلاف في الرأي لا يسقط صداقة…

لا يقتل محبة…

لا يهدم وطنًا…

لكن تحويله إلى سلاح،

إلى سخرية،

إلى اتهام،

هو الذي دمّرنا…

وسيظل يدمّرنا ما لم نفهم أن الاختلاف سنة الحياة…

وأن احترامه هو بداية الحضارة.

احذروا!

فالأوطان تنهار حين نجهل كيف نختلف،

وحين ننسى أن الاختلاف حياة…

وأن الحياة لا تزدهر في قلوب موصدة بالأحقاد.

فكري محمد الخالد


لكن هل كل اختلاف يجب أن يُحترم بنفس الدرجة؟ وهل كل الساحات قابلة للنقاش؟لنكن أدق.. هناك فرق جوهري بين «الاختلاف في الآراء الاجتهادية» و«الاختلاف في الأصول والثوابت». الأول ساحة رحبة للعقل، وهو الذي يثري الفكر ويزيدنا بصيرة. أما الثاني، فهو ليس اختلافًا في الرأي، بل هو مساس بالأساس الذي تقوم عليه هويتنا وعقيدتنا.حين تقول إننا يجب أن «نلتقي في إنسانيتنا حتى لو تباعدت آراؤنا»، فهذه دعوة نبيلة. لكن يجب أن نتذكر أن مفهوم «الإنسانية» نفسه ليس مفهومًا محايدًا. من منظورنا، الإنسانية الحقة هي التي تستمد قيمها من دائرة أوسع وأشمل.. وهي دائرة الدين. فالإنسانية التي لا تستظل بظل الوحي قد تضل طريقها بسهولة.أظن أن جزءًا من المشكلة يكمن في الخلط بين هذين النوعين من الاختلاف. فالدعوة إلى احترام الرأي الآخر يجب ألا تتحول إلى جسر للتطاول على ثوابت الدين. فاحترام الاختلاف في الفروع هو من صميم ديننا.. أما المساس بالأصول.. فهو ليس اختلافًا.. بل هو هدم للأساس الذي نقف عليه جميعًا.

وكل العلماء قاطبة لو سألتهم سيقولون أن الدين أشمل وأعم من الانسانية،.. قول ان الانسانية أعم من الدين هو للاسف خطأ شائع جدا بين الناس، آمل أن يصححوا هذا.

حين كتبتُ عن "ثقافة الاختلاف" لم أقصد مطلقًا فتح الباب على الأصول والعقائد، فهذا باب له قدسيته ورسوخه الذي لا يُمسّ.

ما عنيته هو ذاك النوع من الاختلاف الذي يملأ حياتنا اليومية: اختلافات سياسية، اجتماعية، فكرية، ذوقية، وحتى اجتهادية في بعض الفروع. هذه إن لم نتعلّم أن نُديرها باحترام، تتحول سريعًا إلى عداوات شخصية وصراعات مدمّرة.

أما الثوابت، فليست محل أخذٍ وردّ، ولا نقاش فيها إلا من باب التثبيت والبيان.

الدين عندي ـ وعندك ـ هو الأساس، وهو المظلّة الأوسع التي نستظل بها جميعًا.

والإنسانية التي دعوتُ إليها ليست بديلًا عن الدين، هي تجلٍّ من تجلّياته

. فديننا هو الذي علّمنا أن الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخَلق

جوهر فكرتي أن نُعيد الاعتبار لفنّ الاختلاف، فلا نهدم صداقات ولا نُمزّق أوطانًا بسبب تباينات بشرية في الفروع، بينما يظل الأصل واضحًا راسخًا لا يتزعزع.

أعرف صديقي، تعليقي كان لمن فهم مساهمتك في غير مقامها ليبرر التعدي على ثوابت الدين وحين ترفض ذلك يقول انظرو انه يشخصن ويخرجني من الملة فقط لاني اناقش الدين.. بينما هو يضرب في ثوابته ويشكك فيها.

آمل أن تكون فهمت قصدي.. 😉

علقت مضيفا للموضوع وليس مناقضا له، وردك أسعدني جدا لأنه يؤيد فكرتي! وهذا هو المهم.