أخطر ما يمكن أن يقع فيه الإنسان أن يظن أن قيمته تُقاس بالمظاهر: وقوف الناس له أو مناداته بالألقاب أو طقوس التقديس الفارغة...
أتذكر قصة حقيقية سمعتها من قبل :
في إحدى المدارس كان هناك معلم يُصرّ أن يقوم له طلابه كلما دخل الصف معتبرًا ذلك من تمام الاحترام وذات يوم دخل ولم ينتبه له الطلاب فلم يقم أحد...ثار غضبًا وأخذ الطلاب إلى المدير مطالبًا بفصلهم
ثم دار حوار قصير بين الطالب ومعلمه أمام المدير:
المعلم (غاضبًا): "ألم تتعلموا أن القيام للمعلم احترام؟"
الطالب (بهدوء): "القيام عادة لكن الاحترام شعور قد أقف لك وأنا لا أقدرك وقد أجلس وأنا أحترمك وأحبك"
المعلم: "لكن إن لم تقوموا لي فهذا يعني أنكم لا تحترمون أني معلمكم !"
الطالب: "بل إن احترامك بما نأخذه منك من علم وخلق لا بما تؤديه أجسادنا من حركات"
الطالب (مؤكدًا): وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يتمثل له الناس قيامًا فليتبوأ مقعده من النار"
المعلم (متعجبًا): "ألا ترى أن في ذلك تقليلاً من شأني؟"
الطالب: "مقامك يُحفظ في القلوب لا في وقوف مؤقت"
تدخل المدير عندها قائلاً:
"الاحترام الحقيقي لا يُفرض بالطقوس بل يُكسب بالأثر أن يحفظك طلابك في قلوبهم خير من أن يقفوا بأجسادهم أمامك أنت هنا لتغرس فيهم العلم والخلق لا لتطلب منهم تقديسًا لا معنى له"
لكن المعلم استمر في عناده وقال متجهمًا:
"المكان الذي لا أُحترم فيه لا أحب أن أبقى فيه."
ثم قدّم استقالته وغادر بعد أن شرح له المدير والطالب معنى الاحترام الحقيقي وأيّده الطالب بالحديث النبوي
✦ وهنا يظهر السؤال الجوهري:
لماذا يصرّ بعض الناس على الاحترام الشكلي وكأنهم يبحثون عن التقديس؟
وهل الاحترام في جوهره شعور صادق يُزرع بالقدوة أم مجرد طقوس اجتماعية بلا معنى؟
- ملاحظة حول الحديث:
المقصود بقول النبي ﷺ "من أحب أن يتمثل له الناس قيامًا فليتبوأ مقعده من النار" ليس أن القيام لشخص حرام بل النهي موجّه لمن يحب أن يُعظَّم ويُقام له دائمًا تكبرًا أما القيام أحيانًا تكريمًا أو سلامًا (مثل استقبال القادم أو توقير الكبير) فلا حرج فيه
برأيكم ما العلامة الحقيقية لاحترام الشخص في مجتمعنا: الألقاب والطقوس الظاهرية أم الأثر الطيب والقدوة الحسنة؟
التعليقات