" لا تصالح "...............

كنت أرى دائما هذا البيت" لأمل دنقل" مجرد كلام شعري مبالغ فيه، وأقول بيني وبين نفسي ساخرة مبستمة، من لا يصالح يخسر نفسه مرتين، ويموت مقهورا، لكن بعد السنوات والقراءات والتجارب ،التي مرت علي أصبحت أرى العفو والمغفرة فعل لا أخلاقي أحيانا، إذا كان في غير محله ولغايات لا تتناسب مع عملية الغفران نفسها .

هذا العام أن قرأت كتاب جاك دريدا ، عنوانه:" الصفح: مالا يقبل الصفح ولا يتقادم"، الصدفة الغربية ديريدا يقول حرفيا ما كنت أفكر فيه، أن الصفح والمغفرة يمكن أن يكون أكبر الشرور نوع من الخيانة الأخلاقية، مثل حالات الصفح عن جريمة في تسوية القضايا السياسية والقانونية مثلا بالنسبة لدريدا، التوظيف السياسي والقانوني للصفح يُخفي تسوية أخلاقية خطيرة، لأنه يُحول الصفح إلى مجرد وسيلة لغلق ملفات الجرائم والانتهاكات، لا لفهمها وكبحها الصفح في هذا السياق سيفقد جوهره كفعل حر ، ويصير مجرد مسطرة قانونيةعلى الأفراد .

لكن أهم فكرة في الكتاب والتي هي فكرة صادمة للبعض، هي أن دريردا يقول بأن الصفح مستحيل، لأحدى لسببين:

  • إن سامحنا لسبب، فمسامحتنا هما مشروطة أي ليست مسامحة لذاتها.
  • وإن سامحما ما لا يُغتفر، فنحن نكسر الأخلاقيات.

الصفح بهذا المعنى عند دريدا، هو حدث ميتافيزيقي، لأنه لا يُمنح فعليلاً، بل يُعاش كنزوة فقط، نزوة مفاجئة وراءها توق للتحرر من عبئ وثقل الذكريات، لا يكون الغفرات غفران إلا إذا أعطي بدون مقابل، و الصفح الحقيقي لا يكون صفحًا إلا إن أُلغي كل تحرر من القيود الدينية والسياسية والقانونية .