قربا مربط النعامة مني...

عبارة خالدة نطق بها الحارث بن عباد، فكانت أكثر من مجرد صيحة حرب. كانت إعلانًا لانتهاء الصبر، ولحظة فاصلة تحوّل فيها من رجل تجنب النزاع إلى آخر يجرّد سيفه ويدخل المعركة، بعدما فقد أغلى ما يملك.

لكن ما الذي يدفع إنسانًا عُرف بالحكمة إلى أن يضع النعامة، في موضع الحرب؟

لقد حاول الحارث، طيلة سنوات، أن ينأى بنفسه عن حرب البسوس، تلك الفتنة الطويلة التي اشتعلت بين تغلب وبكر دون أن يكون له فيها ناقة ولا جمل. كان يرى أن الدخول في صراعات لا تخصه من التهور، وكان على حق. فكم من حرب خسر فيها أناس حياتهم دفاعًا عن كبرياء غيرهم، أو ثأرًا لقضية لا تعنيهم، أو إرضاءً لتحالف مؤقت زائل؟

أحيانًا، تكون الحكمة في التجاهل، في أن تُغلق أذنيك أمام الدعوات للانتقام، وتُنزل السيف قبل أن يُرفع. فالتدخل في نزاعات الآخرين قد يجرّك إلى سلسلة لا تنتهي من الخسائر، وقد تصبح فجأة طرفًا في صراع لم تفهم أسبابه منذ البداية.

ومع ذلك، فإن طول الصبر لا يعني غياب القوة. فالصبر ليس ضعفًا، بل هو تقدير للكلفة، ومحاولة لتفاديها. لكن حين تتعدى الخسائر الحد المقبول، حين يصل الطيش إلى قتل ابنك – كما حدث مع الحارث عندما قُتل ابنه جبير رغم سعيه للسلام – تصبح الحكمة نفسها دافعًا للغضب. عندها فقط قال جملته الشهيرة: "قربا مربط النعامة مني"، أي اجعلوا دابتي قريبة.

في هذه العبارة اختزل الحارث تحولًا عميقًا: من رجل حكيم يحاول الإصلاح، إلى مقاتل قرر أن يضع حدًا للعبث. لأنها لم تعد حربًا "لا تعنيه"، بل أصبحت تمس وجوده، تمس دمه، تمس الكرامة.

في حياتنا اليومية، نعيش مواقف مشابهة، ولكن على مقاييس أصغر. نُطالَب أحيانًا بتحمل أخطاء غيرنا، بالصمت عن تجاوزات لا تعنينا بشكل مباشر، نُلام حين لا نُشارك، ثم نُدان حين نُبدي رأيًا.

لكن الحقيقة أن بعض الأمور إن لم تُوقف في بدايتها، فإنها تكبر وتلتهم كل ما حولها. الصمت الحكيم في أول الأمر قد يكون فضيلة، لكن التمادي في التغاضي قد يجعلنا ندفع ثمنًا لم نكن مستعدين له. فليست كل حرب تُخاض بالسلاح، وليست كل حرب يجب أن نخوضها، لكن هناك دائمًا لحظة، تشبه لحظة الحارث، نقول فيها لأنفسنا: "الآن يجب أن نتدخل... الآن يجب أن نضع حدًا".

وقتها، تكون النعامة قد تحولت إلى شاهد على نهاية الصبر.

إلى متى نصبر ونقول إنها حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل؟ ومتى نقول كما قال الحارث: "قربا مربط النعامة مني"؟