كل ما كان يجول في رأس أيمن أن الحرية هي فعل ما يشاء، وقتما يشاء، بلا حدود ولا التزامات. الانضباط قيد، والتخطيط سجن، و المسؤولية عبء لا يستحق أن يُحمل. قناعة عاش جل حياته على أساسها، ينام متى شاء، يؤجل كل ما يمكن تأجيله، ويمضي أيامه في سعي غير منتظم خلف أحلام غير واضحة.
مرت الأيام سريعة من الطفولة إلى البلوغ، وكشخص بالغ عليه تحمل بعض المسؤوليات كي لا يكون عبءا على غيره، فنمط حياته الحالي أصبح مزعجا بعض الشيء ، وفي بداية مشواره بحثا عن عمل، دُعي لمقابلة . دخل بثقة، لكن عند أول سؤال عن مهاراته لم يكن التنظيم وإدارة الوقت وردا حينها، لم يعرف بماذا يجيب. فلو نسب لنفسه شيئا ليس فيه، سيعد ذلك كذبا وان حدث فستكشف الأيام ذلك. خرج من المبنى ولم يكن يحمل سوى ابتسامة باهتة، ونفس السؤال يتردد في عقله:
هل أنا حقًا حر؟ أم أني عبد لعاداتي التي صنعتها باسم الحرية؟
هل جربت شعور أن تنفلت الأمور من بين يدك. بدأ في التفكير واسترجع لحظاته السابقة، فرصا للتعلم، فرصا للاستثمار ضاعت نتيجة تفويت موعد أو إلغاء نشاط ما ببعض الحجج الواهية، والآن هذه الوظيفة، لاحظ أنه لا يتحكم في شيء. لا وقته، لا نومه، لا حتى قراراته البسيطة، حتى إنه فوت قبلها مقابة عمل. كل ما اعتقده حرية انقلب إلى فوضى تقوده بدل أن يقودها.
في البداية قد تحرنا الحماسة إلى تجربة كل شيء دفعة واحدة، وخصوصا إذا لم نعتد عليها، ستواجنا حرب داخلية شئنا أم أبينا. منه يرن، لنضف خمس دقائق أخرى لتصبح ساعة او أكثر، سهرة لا بد منها فمكانتي الإجتماعية مهمة، قد تعتقد أنها مهمة لكن يمكنك تجربة تقليل خروجات وستلاحظ بنفسك.
للدهشة، لامس بعض التغيير بل أنه استحضر عبارة كانت ترددها استاذته، أن من ينام مبكرا يستيقظ مبكرا، سمعها ولم يستسغها عقله آن ذاك، لقد فوت الكثير، الأمر لم يحدث بين عشية وضحاها، بل استغرق منه الأمر بعض الأسابيع منذ اخذه الخطوة الأولى وقبلها حياته السابقة، وليحمد الله فهناك من لا يدرك الأمر حتى توافيه المنية.
تجربة شيء مختلف. لم يكن قرارًا كبيرًا، بعد القيام ببعض التغييرات الصغيرة وفي حالة أيمن فهي تحتاج لجهد كبير لم بتعود عليه قبلا، فمع ان منطق العقل يوافق كل قراراته الجديدة فإن جسده مازال يقاوم. لكن بعد اعتياده على الأمر في الأسابيع الأولى من اتخاذ قرار التغيير، قرر ممارسة الرياضة قليلًا، قليلا جدًا، جدًا جدًا ،وجرب أيضا قراءة شيء ما كنوع من التحدي.
لم تمر الأيام كما اعتادها، شعور غريب، فام تعد المهام تُرهقه كما كانت، صار ينجزها دون أن تثقل قلبه. طريق ألف ميل يبدا بقرار الخوض فيه، تنظيم وقته سابقا لم يكن خيارا مطروحا لكن في هذه المرحة أدرك أنه حقيقة، اكتشف أنه يملك طاقة لم يعرف بوجودها، بل إنه لا حظ أن انتاجيته تضاعفت في نفس المدة فاليوم فيه 24 ساعة ولم تتغير، حصاة فحصاة وهو في طريقه لبناء قصره .
بعد فترة من الالتزام، عاود التجربة مع شركة أخرى، نفس المجال، نفس المستوى. لكن هذه المرة يمكن أن نقول أنه كان جاهزًا. تحدث بثقة عن مهاراته التي بناها، وعن جدوله اليومي، وعن قدرته على الالتزام. خرج من المبنى باتجاه جديد، هذه المرة كانت الفرصة له، ربما لأن شيءا ما تغير بداخله.
وكعادة كل رجل، جلس في مكان هاديء- كهف الرجل- ، وبدأ باستعادة بعض الذكريات، إحداها أنه كيف كان الحديث عن الاستقاظ باكرا نكتة يضحك عليها. لكن مع ذلك وبالرغم من صعوبة الأمر بدايهً، فادراك الخطأ أبكر ومحاولة تصحيحه قد يجنبنا العديد من الخيارات التي قد لا تحمد عقباها. انجز أعمالك في وقت أبكر واستمتع ببقية اليوم، نمط حياته الجديد سمح له بلقاء أصدقائه والمحافظة على مكانته الاجتماعية -كما يزعم- دون قلق، بل حتى أنه قرأ فصلًا جديدًا من كتاب.
إن ما ظنه في الماضي قيدًا، لم يكن سوى مفتاح صغير لباب كبير، لكنه احتاج بعض التوجيه أو في حالته اصطدام بالواقع.
الحرية التي كان يبحث عنها لم تكن في أن يهرب من المسؤوليات، بل في أن يتحكم فيها. لم تكن في الهروب من النظام، بل في أن يصنع لنفسه نظامًا يمنحه خيارات أوسع. لقد فهم أخيرًا أن الانضباط لم يسلبه الحرية، بل منحه إياها.
فهل ما تراه حرية في حياتك، هو حقًا تحرر؟ أم أنه وهم جميل يخفي وراءه فوضى تسرق منك مستقبلك؟
التعليقات