مهما حاولت فلن تكون مثلي

مهما حاولت، ومهما اجتهدت، ومهما ارتديت من أقنعة، ستظل في النهاية "أنت"... وأنا "أنا". لا عيب في أن تختلف، بل العيب كل العيب أن تُفرغ ذاتك في قالبٍ ليس لك، أن تُقلّد حتى تذوب في الظل، وتحسب أنك صرت نجماً.

من قال إن المقارنة تنصف؟ من أوهمك أن قياسك عليّ يعطيك حجماً أو يضعني في خانة؟ المقارنة عقيمة إذا كانت بين عناصر غير متجانسة، كتقييم لون البحر برائحة الورد، أو وزن الحكمة بصرير الذهب. الاختلافات التي فينا ليست مجرد تفاصيل، بل جذور تمتد في التكوين الجيني، في الموروث الثقافي، في الحكايات التي كانت تُروى لنا قبل النوم، في الأصوات التي أيقظتنا، وفي الأيادي التي صفعتنا أو احتضنتنا.

التقييم؟ كم يبدو نبيلاً، لكنه كثيراً ما يكون محاولة مُغلَّفة للتفريق، للهيمنة، للقول: "هذا أفضل"، لا لشيء، بل لأنه أقرب إلى ما تحبه الأعين المُتحيّزة. وكم من تقييم انقلب إلى تقزيم، حين يصبح المعيار مِسطرة صنعها أحدهم في مصنعٍ رأسمالي لا ينتج سوى "عمال" ليخدموا النخبة، لا مفكرين يحرجونها بأسئلتهم.

وهنا أتساءل: كيف تطلب مني أن أكون "نسخة" منك أو من غيرك، وأنا أختلف عن أخي الذي خرج من ذات الرحم، وربّته ذات اليد، وسُقي بذات الحليب؟ أبناء البطن الواحد مختلفون، فكيف بأبناء البيئات واللغات والقصص المختلفة؟!

عمّ النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، رغم شرف النسب، لم يُنقذه ذلك من الكفر، وابن نوح، رغم أن دمه يجري من نبي(حكمة الله في خلقه)، لم يُنقذه قربه من الهلاك. هذه ليست دعوة لليأس، بل لفهم الحقيقة: النَسَب لا يصنع النُجَب، والقرب لا يورث الفضيلة.

لن أكون كابن خالتي، حتى لو تشابهت ملامحنا أو درّسنا في ذات المدرسة. لن أكون كما أراد أبي، ولا كما خططت أمي، إن لم يكن ذلك نابعا من قناعاتي. أنا كما أنا... لا أكثر ولا أقل. لست قالباً لأحد، بل طينتي التي شكلتني لم تكن من نسختين.

ومع ذلك، لا مانع من بعض التغيير، إن كان للأحسن، إن كان يزرع زهرةً في داخلي لا شوكة، إن كان يرفعني لا يُذلّني، إن كان ينبت في أرضي لا يقتلع جذوري.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه، بعد كل هذا:

إذا كان لكلٍّ منّا بصمته الفريدة، فهل المجتمع حقاً قد يحتفي بالفرد أم يسعى لإذابة الجميع في قوالب واحدة؟


المجتمع العربي تعوّد علي الروتين أكثر من الإبداع والتطوير، وأعتقد أن ذلك نتيجة لقتل الإبداع الذي قد يظهر من الناس، فكلنا يعلم أن أي شخص مبدع أو مختلف أو متفوق لا يجد الفرصة في بلده بل قدا يُحارب، ونجد أيضاً أن الدول الغربية هي من تستقطب تلك النماذج، لذلك فالمجتمع بكامله تعوَد علي الروتين الثابت وعدم الخروج عن المألوف ومقارنة الناس ببعضها، دون وضع أي احتماليات للإختلاف والتميز، وهذا ما يجعلهم يحاربون المختلف عنهم.

ولكن لتجاوز ذلك لابد أن تتمسك بفكرتك واختلافك إذا كان هدفك نبيل، وأيضاً حاول أن تقنع الناس بما تقدمه عن طريق نجاحك فيه، فأفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم لم يقتنع أغلب أهل مكة به إلا عندما نجح في دعوته ودخل عليهم بلدهم فاتحاً إياها.

لم يكن المجتمع الغربي في السابق مختلفًا عنا كثيرًا، بل ربما كان أكثر تطرفًا في رفض الاختلاف، إذ كان يواجه الأفكار الجديدة بالتعذيب، أو القتل، أو حتى بتشويه السمعة.

رفضنا للأفكار الجديدة ليس ظاهرة طارئة، بل هو نهج متجذر، تتبناه بعض الأنظمة بهدف تشكيل مجتمع خاضع. فليس من المألوف أن تجد في كتب التاريخ العربية سردًا لوجهة نظر "العدو"، سواء كانت تلك الرؤية صائبة أم لا. فالحاكم الذي يدير شعبًا جاهلًا بالقوانين، أسهل عليه من التعامل مع شعب واعٍ ومُلمّ بحقوقه. ولهذا، يتم دفع الناس نحو قالب محدد، يسهل توجيهه والتحكم فيه.

أما انفتاح الغرب الحالي على كفاءاتنا، فلا يُفهم على أنه بدافع المحبة أو التقدير، بل بدافع المصلحة. هو أشبه بعقد غير معلن: "سأوفر لك الأدوات، وتعيرني عقلك، لنربح سويًا."

في المقابل، نجد بعض العقليات في مجتمعاتنا ما زالت تتمسك بفكرة: "لن أسمح لك بدخول مجالي حتى لا تأخذ مكاني." أو "لدي المعدات، ولن أقبل أن تربح أكثر مني."

وهذه الذهنية هي ما يجعلنا ندرك بسهولة أين تنتشر مثل هذه الأفكار، ومتى يتم تجفيف منابع التقدم قبل أن تبدأ.