ليس من حق ذوي الإعاقة والهمم الزواج حتى لو كانت قدراتهم العقلية تؤهل لذلك!

منذ أيام قليلة انتشرت مشاهد لفرح شاب من ذوي الهمم كان بالتحديد مصاب بمتلازمة داون، وكان الانتشار مصحوب بخبر تحفظ رجال الأمن على العريس والعروسة وأهلهم.

تابعت التعليقات لأجد هجوم حاد للغاية على العريس، واجمعت الأغلبية على حرمانه من حق الزواج، ووصفت أهل العروسه بأنهم ظالمين فما ذنبها في عريس كهذا!!، واجتمعوا أن الأمن رحيم أنقذها منه وكأنه ذئب وليس إنسان.

ليتبين فيما بعد أن الإجراء الأمني المتخذ كان لأن العروسة قاصر لم تبلغ السن القانوني للزواج، وأن الأمر لا يتعلق بتاتاً بالعريس وكونه من ذوي الهمم.

فبرأيكم من واقع المشهد المرير لذوي الهمم الحق في الزواج أم لا ولماذا ؟


نعم، من حيث المبدأ يحق لهم الزواج كغيرهم من البشر، لكن من حيث الواقع، الغالبية منهم لا يجدون من يدعمهم طيلة حياتهم، ولا تتوفر لهم البيئة التي تجعل هذا الزواج ممكنًا أو آمنًا.

في بلداننا، أغلب ذوي الهمم يعتمدون اعتمادًا كليًا على عائلاتهم. وما إن يغيب الأب أو الأم، حتى يُترك الشخص في فراغ كامل: لا مؤسسات فعالة، ولا جمعيات مستقرة، ولا نظام اجتماعي يرافقه، ولا مجتمع يرحّب بوجوده.

أما من جهة القدرة على تحمّل مسؤولية الزواج وتربية الأبناء، فالأمر ليس مستحيلاً لكنه صعب. بعض ذوي متلازمة داون – خاصة من لديهم درجة خفيفة – يمكنهم فهم الزواج والتفاعل فيه بشكل عاطفي وإنساني، لكنهم غالبًا يحتاجون لمرافقة دائمة في التفاصيل اليومية والمعيشية.

ولأن لا أحد يستطيع دعمهم طيلة حياتهم، فإن التفكير في زواجهم دون وجود منظومة دعم شاملة (عائلة ممتدة، جمعيات، دولة، رعاية نفسية واجتماعية) يكون في كثير من الأحيان مجرد حُلم أو مخاطرة.

المشكلة ليست في حقهم، بل في واقعهم المحروم من التمكين والرعاية المستدامة

إهمال الدولة والمؤسسات قد اقبله في وسط العشوائية والنقصان وعدم الكمال في الإدارة والعدالة، لكن لماذا يرفضهم المجتمع، هذا الذي جاء الدنيا فوجد نفسه من ذوي الهمم هو أولا لم يختار ذلك، وثانيا هو لم يذنب حتى يرفضه المجتمع أو يخشاه، أتفهم أن نرفض سارق أو قاتل أو متحرش لكن لماذا نرفضهم ؟! أشعر أننا فقدنا الرحمة تماماً أليس هذا بشر مثلنا حقه الحياة كما نحيا ؟

أحترم جدًا مشاعرك ونقطة نظرك، وفعلاً كلامك فيه إنسانية عالية.

لكن أعتقد أن المجتمع لا يرفض ذوي الهمم دائمًا عن قصد أو قسوة، بل أحيانًا يرى فيهم "نقصًا في القدرات"، وهذا ما يجعله يتجنّب التفاعل معهم أو لا يمنحهم نفس الفرص. المشكلة أن المجتمع يُقيّم الناس بميزان الأداء والكفاءة، لا بميزان الرحمة، خاصة في قضايا كبيرة مثل الزواج وتربية الأبناء.

ومع ذلك، الإنسان لا يُقاس فقط بقدراته، بل بإنسانيته. وهنا فعلاً يظهر الخلل: حين نحاكمهم بنفس مقاييس الشخص العادي، ونتجاهل ظروفهم المختلفة.

ثم إن دعم العائلة، رغم أهميته، يبقى مؤقتًا وغير كافٍ، لأن الأب والأم لا يدومان. وفي ظل غياب مؤسسات ترعى وترافق مدى الحياة، يصبح مصير كثير من ذوي الهمم مجهولًا.

يعني، لا المجتمع وحده يقدر يضمن لهم كرامة الحياة، ولا العائلة تقدر تكون سند دائم. الدولة والنظام هما الحلقة الغائبة، خاصة في أغلب الدول العربية، وينبغي أن يكون لهما دور أساسي في التمكين.

الرحمة مطلوبة، لكننا نحتاج نظامًا يترجم هذه الرحمة إلى حماية فعلية.

المنطق والرحمة وكل عقل يقول إن من ينقصه مهارة أو قدرة نعوضه عنها لا ننفر منه ونتركه فهو لم يختار ذلك ولم يذهب له بقصد ورغبة ؟

تعرف الآن فكرت لو أنني من ذوي الإعاقة وأنت جاري ولم تساعدني بينما فعلت عندما أمرك القانون أو فعل آخر بعدما حصل على راتب من الدولة أظن لن أكون سعيد بذلك

يا صديقي، إن موضوع الزواج وتكوين أسرة ليس مسألة بسيطة كما يبدو، ولا يمكن اختزاله في "نقص مهارة" يمكن تعويضه بعاطفة أو مساعدة مؤقتة. حين نتحدث عن شخص مصاب بمتلازمة داون أو التوحّد، فإننا نتحدث عن حالة تتضمن محدودية عقلية وسلوكية تؤثر مباشرة على القدرة على تحمل مسؤوليات الزواج، من فهم الواجبات، إلى اتخاذ القرارات، إلى تربية الأطفال، إلى إدارة الحياة اليومية.

أغلب من يعانون من هذه الحالات يفتقرون إلى الاستقلالية الكاملة، مما يجعل استمرار الحياة الزوجية دون دعم دائم أمرًا بالغ الصعوبة. فهل من المنطقي أن نحمل الطرف الآخر أو الأسرة أو المجتمع عبء هذه المسؤولية لسنوات؟ وهل يكفي أن نقول "هذا واجب إنساني" دون أن نأخذ بعين الاعتبار القدرة والنتائج؟

أما أن تُصوّر هذه التحديات وكأنها مجرد "نقص مهارة" يمكن تعويضه ببعض التعاطف، فهذا تبسيط مخلّ، وكأنك تحاول أن "تفتح دكانة موضوع" لتجعله عاديًّا، وكأن الزواج بكل تعقيداته يمكن أن يُدار بالمشاعر الطيبة وحدها!

وفي هذا السياق، لا نجد حلًا عمليًّا وإنسانيًّا في آنٍ واحد إلا من خلال الدولة. فهي وحدها من تمتلك الإمكانات والهياكل اللازمة لتقديم رعاية متكاملة — من التأهيل إلى الدعم الصحي والاجتماعي. أما الفرد، مهما كانت نواياه طيبة، فطاقته محدودة ولا يمكنه أن يقدّم دعمًا دائمًا ومستقرًّا.

ومع ذلك، نجدك تنتقد هذا الحل وتقول: "لو كنت من ذوي الإعاقة وجاري لم يساعدني، لكنه فعل ذلك عندما أمره القانون أو تقاضى أجرًا، فلن أكون سعيدًا". ولكن، هل تُقاس قيمة الفعل الإنساني فقط بما شعرت به تجاهه؟ الطبيب الذي يعالجك، والمعلّم الذي يُدرّسك، والممرّض الذي يعتني بك، كلهم يتقاضون رواتب، فهل نقول إن عملهم غير إنساني؟ بالعكس، هذه مهنة لها قيمة أخلاقية وتنظيمية في آنٍ واحد.

بل على العكس، أحيانًا يكون تحويل المساعدة إلى خدمة منظّمة وممولة هو الطريق الأفضل لصون كرامة الإنسان، وضمان استمرارية الرعاية له، بدل أن يكون رهينة لمزاج شخصي أو مبادرة فردية قد تتعثر مع الوقت.

ثم إن الإنسان حين يعتذر عن مساعدتك لأنه لا يملك الوسائل المناسبة، ولكنه يوجّهك إلى المكان المناسب حيث الدولة تتكفّل بذلك، فهذا عين العقل والرحمة. أن يرفضك لأنه لا يستطيع خدمتك لا يعني أنه قسا عليك، بل ربما قدّم لك أفضل ما يمكن تقديمه. أما أن نحمّل الفرد فوق طاقته، ونستنكر كل مساعدة مؤسساتية، فذاك تحميل خاطئ للمسؤولية، وتقدير غير عادل للواقع.

فالإنسانية لا تُقاس فقط بالعاطفة، بل تُقاس أيضًا بالقدرة، والعدالة، والتنظيم. والمساعدة ليست دائمًا واجبًا فرديًّا، بل قد تكون مسؤولية جماعية تنظمها الدولة لتكون أكثر فاعلية واحترامًا لكرامة الجميع.