غياب الأرضية المشتركة

mam_7

نحن العرب لسنا مسملين كلنا .. يوجد أقليات لا تدين بالإسلام .. والمسلمون أيضًا ليسوا على مذهب واحد، بل على مذاهب عقدية شتى بينها اختلافات جوهرية ..

حين يبتدئ حوار ما هنا أو هناك تتلاطم حجج المتحاورين وينتهون إلى لا شيء لأن أرضيتهم غير مشتركة

خذ مثلاً : حوار حول تعدد الزوجات يشترك فيه مسلم يؤمن بالقرآن ويأخذ بتعدد الزوجات بناء على ذلك .. وملحد لا يؤمن بالقرآن فقطعًا لا يؤمن بحجية القرآن ..

أليسا هذا الحوار عبثًا !!

هب أن المسلم أقنع الملحد عقلاً بمعقولية تعدد الزوجات .. فهل هذه الحجة معتبرة شرعًا أم أنها مجرد تنزل مع الخصم .. وهل الخصم إذا اعترف بمعقولية تعدد الزوجات بناء على ما قدم له من حجج .. هل سيؤمن بدين الإسلام .. أم أنه سينبش قضية أخرى يعترض بها على دين الإسلام .. وهكذا دواليك ..

أرى أن يتجه المتحاورون إلى القضية الأصل التي هي حجية القرآن ووحدانية التشريع .. فإن اقتنع به أحد الطرفين فما بعده أسهل .. وإن لم يقتنع بذلك فما دونه مجرد طواحين هواء ..


اولا اسفه لأنني سأتحدث كثيرا

ثانيا ،صدقت فيما ذهبت إليه من أن الحوار بين طرفين لا يشتركان في أصل المرجعية كثيرًا ما يكون عبثًا، أو على الأقل غير مُثمر في الوصول إلى يقين أو تسليم، إذ لا يمكن البناء على ما لا يُؤمن به الطرف الآخر، ولا إقناعه بما لا يُسلم بأصل سلطته.

وهذه مسألة قديمة عالجها علماء الإسلام منذ الصدر الأول، بل نجد نماذجها في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ذاته، حين كان يخاطب كل قوم بما يُقارب عقولهم، فاحتج على اليهود بالتوراة، وعلى النصارى بالإنجيل، وعلى مشركي قريش بما يفهمونه من لسانٍ وحجةٍ عقليةٍ واستقراءٍ للواقع

لكن بالرغم من هذا، لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم، ولا من تبعه من أهل العلم، من محاورة غير المسلم في فروع قضايا الشريعة، بل نجد القرآن ذاته يذكر محاورات بين الأنبياء وأقوامهم في قضايا جزئية، وإن كانت تنطلق من أصلٍ عقدي أعظم.

فالخليل إبراهيم عليه السلام حاجّ النمرود في أن الله يحيي ويميت، ثم تنزل معه إلى الحجة العقلية حين قال: "فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب، فبُهِت الذي كفر" ، وهذه حجة عقلية لا تتأسس على التسليم بالوحي، بل على منطق الكون.

كذلك موسى عليه السلام حين حاج فرعون لم يبدأ بفرضيّة الوحي، بل قال: "رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ" ، ثم قال له: "أولو جئتك بشيء مبين؟" أي بحجة محسوسة، فكان الرد بمعجزة مادية.

فالعقل باب من أبواب الإقناع، وهو ليس بديلًا عن الوحي، بل مسلك قد يُهيئ له، أو يُظهر انسجام الشرع مع منطق العقل السوي.

أما القول أن الحوارات حول الفروع عبثية إذا لم يُسلّم الطرف الآخر بأصل الدين، فصحيح من حيث المآل، ولكنه غير دقيق من حيث الأثر. لأن الهداية ليست دفعة واحدة، وإنما تكون أحيانًا عبر مدارج ومراحل. ولعل إقناع غير المسلم بمعقولية بعض التشريعات، مثل تعدد الزوجات، يُزيل حاجزًا نفسيًا أو عقليًا، ويفتح له بابًا نحو الإيمان.

وقد قال الله تعالى: "وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ" ، وهذه الآية عامة، تشمل الجدال مع كل مخالف، لا بشرط اشتراكه معنا في المرجعية، بل وفق قواعد: الحكمة، والموعظة الحسنة، والحوار الذي لا يُفضي إلى الخصومة.

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى أهل اليمن، قال له: "إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله..." . فرتب له الدعوة، وعلّمه أن يبدأ بالأصول، فإن أجابوا، انتقل إلى الفروع. وهذا أصل متين: البدء بالأهم فالمهم.

لكن، إن بادر غير المسلم بالسؤال عن فرع ما، أو استشكل حكمًا من أحكام الشريعة، فلا حرج في مناقشته فيه عقلًا، وإبراز حكمته، بل هذا مما يُؤثر في النفوس.

وقد كان الشيخ ابن تيمية رحمه الله ممن بارع في هذا اللون من الجدل، فكان ينزل مع خصومه في الجدل العقلي والفقهي، ويُثبت لهم معقولية الشريعة ومنطقيتها، لا لأنهم مسلمون، ولكن لأن الحجة تقوى حين يُسلم الخصم بمقدماتها.

بل في "الرد على المنطقيين" و"درء تعارض العقل والنقل" نجد كيف وظّف العقل الصريح في إثبات انسجامه مع النقل الصحيح، دون أن يتخلى عن مرجعية الوحي.

والمقصود: أن الحوار مع غير المسلم حول الفروع، إذا أُحسن، وصيغ بعقلٍ حكيم، وخلقٍ كريم، لا يُعد عبثًا، بل قد يكون "ذريعة هداية"، أو على الأقل وسيلة لرفع الشبهة.

لكن الخطأ الأكبر هو أن يكون المسلم نفسه لا يملك يقينًا بشرعية ما يدافع عنه، فيلجأ إلى العقل مضطرًا، ويتخلى عن النص حياءً أو خجلًا. فإن فعل، فقد خسر مرجعيته.

ختامًا:

نعم، لا بد من الحذر من أن يتحول الحوار إلى طاحونة هواء، ولكننا لسنا مع الانسحاب، بل مع الحضور بعقل، وحكمة، وحجة. فإن اقتنع الخصم بأصل الوحي، فذاك نور على نور، وإن لم يفعل، فلعل الحجة العقلية تُمهّد له طريقًا إلى اليقين. والله يهدي من يشاء.

لابد أن تعلم أخي الكريم أن اصل القناعة بالدين هو العقل وليس الوحي .. فالعقل ولي الوحي ثم خلع نفسه .. بمعنى أنه دلّ على وحدانية الله تعالى وصدق الرسول .. ثم صارت المهمة للرسول الذي تبثت صدقه ليبلغ دين الله تعالى فيعمل بها المسلمون دون الدخول فيها بجدال عقلي ..

وأما قصة إبراهيم عليه السلام مع النمرود .. وقصة موسى عليه السلام مع فرعون .. فهي رجوع إلى الأصل .. وليست في أمور جزئية .. ففيها دعوة إلى الإيمان بالله تعالى المالك المحيي المميت القادر على كل شيء ..

وأما الجدال في أمور فرعية فهو شيء لا يثيره إلا ضعيفوا العقول .. ولا بأس من الإجابة عن إشكالهم إجابة سريعة عابرة لينتفع بها السامع عمومًا سواء كان المجادل أو غيره .. لكن لا ينبغي الاسترسال في هذه الفرعيات بل الرجوع في الجدال إلى أصل حجية الوحي ووحدانية التشريع ..

بل كثير من الفرعيات لا سبيل للإيمان بها إلا التسليم الذي لن يقتنع به غير المؤمن .. وكثير من الحجج التي تقال في مثل تلك المواضع يمكن نقضها من الطرفين ..