حين يصبح المألوف غريبًا

أن تطأ أرضًا كانت مألوفة يومًا، فتجدها قد تبدّلت، ليس في ملامحها فحسب، بل في أرواح من سكنوها، هو شعور لا يخلو من الغرابة، لكنه ليس بصدمة بقدر ما هو مواجهة هادئة مع الزمن. أن تعود حيث كنت تمنع طفلة شقية من أكل التراب، فتجدها اليوم عروسًا، أو أن تلتقي بذاك الطفل كثير البكاء، لتبارك له مولوده الثالث، هو أن ترى الزمن يتجسد أمامك في وجوه البشر.

لكن الأصعب، أن تسير في طرقات كانت تعجّ بالضحكات، فلا تجد إلا صمت الذكرى، أن تبحث عن وجوه ألفتها، فلا تصادف إلا صورهم في الذاكرة. إنه اختبار صامت للفقد، لا صخب فيه، لكنه يثقل الروح بما لا يمكن وصفه.

فما هو الأغرب؟ أن تعتاد الغياب، أم أن تدرك أخيرًا أن الزمن لم يكن يومًا في انتظارك، بل كان يمضي دومًا، وأنت وحدك من ظننت أنه سيظل ثابتًا؟


هذا طبيعي، سنة الحياة هكذا، الزمن لا ينتظر أحدًا ولا يتوقف على سن أو مرحلة معينة، الأطفال يصبحوا شبابًا وتتغير نظرتهم للحياة، والشباب تكبر وتصبح كهولا وستتغير معهم أفكارهم ونظرتهم للحياة، ولكل مرحلة لها ذكريات، والذكريات هنا الغرض منها هو الحنين إلى الماضي والشعور بالامتنان له، لا لأن نصبح أسرى لها، المهم هنا التصالح مع الذات أولا ثم مع الواقع والحاضر و التأقلم مع كل مرحلة في حياتنا ونسعى إلى الأفضل ومجابهة التحديات التي ستواجهنا.

أعلم ذلك، لكن الأمر يجعلك وكأنك تقف على أطراف أصابعك، غريبًا بين ماضٍ ما زال يسكنك، وحاضرٍ يمضي بسرعة لا تنتظر أحدًا. كأنك تراقب نفسك من بعيد، تتغير دون أن تشعر، بينما الحياة تمضي وكأنها لا تلقي بالًا لما كنت عليه أو لما صرت إليه.