إذا حكمتم علي بالموت فلن تجدوا من يحل محلي بسهولة"!
كانت تلك من عبارات سقراط قبل تجرعه السم بلحظات. الغريب في الأمر أن الجماهير كانت تطالب بإعدامه وليس فقط القائمون على الحكم! كذلك طالبوا بقتل المسيح على أفكاره الثورية التي رجت المجتمع رجا. فأنت طالما صالح في نفسك يحبك الناس، أما أن تصلحهم فأنت لهم عدو!
كذلك من بعدهم الفيلسوف والعالم جورديانو برونو لما فتح بصيرة الناس على حقيقة علاقتهم بالسماء وأنهم ليسوا أسياداً للأرض ولا الارض مركز الكون. أُحرق حيا على خازوق ولم تُسعفه الجماهير فتحميه!
كذلك ابن رشد التي أحرقت كتبه على رؤوس الأشهاد و لم يحرك أحد ساكنا وأتهم بالهرطقة وكان من قبل إماماً جليلاً! وبالطبع غيره كثير على مر العصور وكر الدهور! حتى في مؤسساتنا اليوم، من يريد الإصلاح ويفضح السرقات بالملايين يتم شيطنته وتتشفى الجماهير فيه: هو غلطان يعني هو اللي يصلح الكون؟!!!!!! وعلى حد قول العقاد في " ترجمة شيطان" :
وكذا العهد بمشبوب القلى ....... عارم الفطنةِ جياش الفؤادْ
أبدًا يهتفُ بالقولِ فلا ....... يعجبُ الغيَّ ولا يرضى الرشادْ
"إذا حكمتم علي بالموت فلن تجدوا من يحل محلي بسهولة!" كلمات سقراط لم تكن مجرد تعبير عن لحظة ضعفه، بل كانت إعلانًا عن القوة التي يملكها الفكر في مواجهة الجهل. في تلك اللحظة، لم يكن يتحدث عن حياته الشخصية، بل عن فكرة الحياة نفسها، عن تلك القيم التي لا تموت حتى وإن تعرض أصحابها للقتل. سقراط كان يعلم أنه حتى بعد موته، ستظل أفكاره تسير بين الناس كالنار في الهشيم، تنير طريق الذين يبحثون عن الحقيقة.
لكن، هل فكرنا يومًا لماذا يرفض الناس الإصلاح؟ لماذا يهربون من الحقائق التي تقف أمامهم؟ لأن الناس لا يخافون من الرجل الذي يعلن عن نفسه، بل من الفكر الذي يملكه، الفكر الذي يثير أسئلة لا يستطيعون الإجابة عليها. المسيح كان يقدم فكرة تمرد على العادات والتقاليد، كان ينقض جدرانًا اعتقد الناس أنها بنيت لتظل صامدة إلى الأبد، فكان مصيره الموت. لكننا ننسى أن الثورات لا تُصنع بالكلمات فقط، بل بالنفوس القادرة على تحويل الأفكار إلى حقيقة، والموت إلى بداية جديدة.
أما "جورديانو برونو"، الرجل الذي جعل السماء تتسع خارج حدود الأرض، وجعلنا نرى أننا مجرد نقطة صغيرة في كون لا نهائي، فقد دفع ثمن الحقيقة بحياته. لكن هل كان موت برونو هو النهاية؟ بل كان بداية لصوت يعلو في كل ركن من أركان الأرض، ليثبت أن الحقيقة لا تموت مهما كانت قسوة اللحظة.
وابن رشد، الفيلسوف الذي أضاء ليل العقول بأفكاره، تعرض لظلم تاريخي قاسٍ. لكن ذلك الظلم لم يكن إلا إعطاءه مكانة في التاريخ لن يستطيع أحد أن ينزعها منه. كان كتابه معركة مع الجهل والجمود، لكن الناس كانوا في غفلة عن هذه المعركة، ولذلك لم يُنقذ. ومع ذلك، كانت كتبه بداية لفتح آفاق التفكير أمام الأجيال القادمة، ولو كان الحرق هو نهاية جسده، فقد كانت بداية عصر جديد.
وها نحن اليوم نعيش نفس الدورة. عندما يحاول أحدهم كشف الفساد أو إظهار الحقيقة، يواجه نفس التهديد: القتل الرمزي في شكل الطعن في شخصه أو تشويه أفكاره. لكن، كما قال العقاد في "ترجمة شيطان":
"وكذا العهد بمشبوب القلى... عارم الفطنةِ جياش الفؤادْ
أبدًا يهتفُ بالقولِ فلا... يعجبُ الغيَّ ولا يرضى الرشادْ".
لكن الحقيقة، رغم أنفهم، تظل كما هي. لن يرضى "الغي" عن هذا الكلام، ولن يتوقف "الرشاد" عن السعي. نحن هنا لا نبحث عن الموافقة الجماهيرية، بل عن تلك الفكرة التي قد تغير مجرى التاريخ، حتى وإن كان هذا التغيير يتطلب منا أن ندفع الثمن.
التعليقات