النسوية، والوجودية.. ما الذي أدى لشيطنتهما بثقافتنا؟!

  • Amany11

أثناء دراستي للعلوم الإنسانية بشكل عام، والفلسفة بشكل خاص، لفتت نظري حالة الرفض والريبة التي نتعامل بها مع معظم المصطلحات الفلسفية، إن لم يكن مع الفلسفة من الأساس!..

فكلما درسنا مصطلح أو نظرية فلسفية ما، وجدنا النقد المجهز مسبقا لتقويضها، مما جعلني أتسائل، لماذا نقحم أنفسنا كمجتمعات محافظة بداخل تلك النظريات الفلسفية ـ ابنة بيئتها ومجتمعاتها الغربية ـ من الأساس؟!

فمثلا، من أكثر المصطلحات التي هوجمت بمجتمعاتنا العربية، تأتي "النسوية" و "الوجودية"؛ ولا يكاد يخلو ذكرهما، من الذم والتبرء من التعاطف مع أي من مبادئهما...

لكن هل جربنا من قبل، النظر إليهما على أنهما ظهرتا بالأساس كردة فعل طبيعية، لظروف اجتماعية وفكرية استحال التعايش معها آنذاك؟!

وأنهما وغيرهما من النظريات الفكرية، لم يتم إعدادهما خصيصا، لهدم مجتمعاتنا ومعتقداتنا..

ـ فالنسوية مثلا، قد ظهرت في الغرب في أواخر القرن التاسع عشر، كرد فعل على نظام بطريركي أبوي رسخ للثقافات السائدة التي حملت صورة سلبية عن المرأة، الأمر الذي انعكس في واقع اجتماعي محتقن بالتمييز ضد المرأة والتقليل من شأنها وإهدار حقوقها.

ـ الوجودية كذلك، غالبا ما تُعد ثورة، ضد فلسفة أوروبا التقليدية التي وصلت ذروتها لدى الفلاسفة الألمان (كانط، فلهلم، هيجل) الذين مالوا إلى اعتبار الفلسفة علماً، وحاولوا أن يضعوا مبادئ المعرفة الموضوعية الصحيحة بصفة عامة ومؤكدة، في حين رأى الوجوديون أن المعرفة الموضوعية العامة والأكيدة لا يمكن الوصول إليها، وأكدوا على أن كل فرد، هو في النهاية كائن بشري محدود، لا يمكنه بلوغ الحقيقة الكلية.

وبعد ذلك، يسعى البعض جاهدا؛ لجلب تلك القوالب والنظريات الفكرية، بل ومحاولة تطبيقها بشكل جامد على مجتمعاتنا، وظروفنا الثقافية الخاصة، ومن ثم نأخذ في لعنها ولعن من أنشأها!!

فطبيعي أن تكن النتيجة كما نراها الآن، وهي شيطنة معظم المصطلحات، وتحميلها مدلولات لم تكن أبدا في الحسبان..

فمتى سنراعي خصوصياتنا الثقافية والاجتماعية والدينية، عند تناول مثل هذه النظريات، مع عدم استئصالها من بيئتها ومحيطيها التاريخي والثقافي الأصليين؛ حتى لا نحمّل عقولنا بما لا يسمن ولا يغني من جوع فكري!

شاركوني بآرائكم في هذه القضية.. هل يصلح توطين المصطلحات والنظريات الغربية بمجتمعاتنا، دونما نقد ثقافي لها؟.. وما هو أكثر مصطلح ثقافي سيء السمعة قد مر عليكم؟ 


إن الدعوة لاستيراد النظريات الغربية كالنسوية والوجودية لمجتمعاتنا هي في حقيقتها دعوة لاستلاب فكري وثقافي خطير. هذه الدعوة تتجاهل حقيقة جوهرية: أن لكل مجتمع نسيجه الخاص، وتاريخه الفريد، وتحدياته المميزة.

النسوية. نعم، ظهرت كرد فعل على ظروف معينة في الغرب، لكنها تطورت لتصبح أيديولوجية تتجاوز مجرد المطالبة بالحقوق. اليوم، نرى كيف أدت النسوية المتطرفة في الغرب إلى تفكك الأسرة، وخلق صراع غير صحي بين الجنسين، وتشويه مفهوم الأنوثة والذكورة. هل نريد حقًا استيراد هذه المشاكل لمجتمعاتنا؟

أما الوجودية، فهي في جوهرها فلسفة تقوم على فكرة أن الإنسان وحده مصدر القيم والمعنى وهي دعوة إلحادية. هذا يتعارض بشكل صارخ مع الأساس الروحي والديني والثقافي لمجتمعاتنا. الوجودية قد تبدو جذابة ظاهرياً للوهلة الأولى بدعوتها للحرية الفردية، لكنها في الواقع تؤدي إلى حالة من الضياع الوجودي والفراغ الروحي الذي نراه اليوم في المجتمعات الغربية.

من الغباء أن نعتقد أننا نستطيع "توطين" هذه النظريات دون أن نستورد معها مشاكلها. إنه أشبه بمحاولة زراعة نبتة في تربة غير مناسبة لها تمامًا - قد تنمو لفترة، لكنها حتمًا ستذبل أو تتحول إلى عشب ضار وبعد أن ضاعت الكثير من مواردنا في محاولة سقايتها.

علينا أن ندرك أن قوة أي مجتمع تكمن في أصالته وقدرته على إنتاج حلوله الخاصة لمشاكله. نعم، يمكننا أن نتعلم من تجارب الآخرين، لكن الاستيراد الأعمى للنظريات هو اعتراف ضمني بعجزنا الفكري والثقافي.

لنأخذ مثالًا على ذلك: قضية حقوق المرأة. بدلًا من استيراد النسوية الغربية، لماذا لا نعود إلى تراثنا الإسلامي الغني الذي كرّم المرأة وأعطاها حقوقها قبل قرون من ظهور الحركات النسوية؟ لماذا لا نطور نموذجًا خاصًا بنا يحترم خصوصية مجتمعاتنا ويعالج مشاكلنا الحقيقية بدلًا من استيراد مشاكل الآخرين؟

إن محاولة تطبيق هذه النظريات في مجتمعاتنا ليست مجرد خطأ استراتيجي، بل هي خيانة -إن صح التعبير- لهويتنا وتاريخنا. إنها اعتراف ضمني بأن تراثنا وثقافتنا عاجزان عن مواجهة تحديات العصر، وهذا غير صحيح على الإطلاق.

ما نحتاجه حقًا هو العودة للجذور و إبتكار حلول في ضوء تحديات العصر. نحتاج إلى مفكرين وعلماء يستطيعون الجمع بين الأصالة والمعاصرة، دون الانسلاخ عن جذورنا أو الانبهار الأعمى بكل ما هو غربي.

في النهاية، إن الدعوة لاستيراد هذه النظريات هي في حقيقتها دعوة للاستسلام الفكري والثقافي. إنها اعتراف بالهزيمة قبل أن تبدأ المعركة الحقيقية - معركة إثبات أن ثقافتنا وقيمنا قادرة على مواجهة تحديات العصر وتقديم حلول أصيلة لمشاكلنا.

فلنكف عن هذا الانبهار المرضي بكل ما هو غربي، ولنعد إلى ينابيع فكرنا وثقافتنا. فهناك، وهناك فقط، سنجد الحلول الحقيقية لمشاكلنا، والطريق الصحيح نحو نهضة أصيلة تحترم هويتنا وتحافظ على قيمنا.