"من العدل أن يأتي الرجل من الحجج لخصومه بمثل ما يأتي به لنفسه"

يقال: " أن كل شخص يرى نفسه أحق بالفضيلة من غيره" أي أنه يستحق كل فوز ومديح وسعادة وتبرير!

والتبرير هو خلق المسوغات لفعل أمر ما أو قول أمر ما، يبرع الإنسان في فن التبرير لنفسه، فإننا وعلى نحوٍ مخيف نستطيع خلق المبررات والمسوغات لأسوأ الخطايا حين يتعلق الأمر بنا، فلو قتلت رجلًا وإن سطا عليك الشعور بالذنب، ستبدأ باستنباط الحجج والمبررات لتخلق لنفسك رضًا زائفًا يحافظ على استقرارك الداخلي، بيد أن بعض الشخصيات تميل لجلد ذاتها، إلا أن معظم البشر يجيدون فن التبرير لأنفسهم لحدٍ بعيد، فأي الشخصيتين أنتم؟

ولكن ماذا يحدث حين يتعلق الأمر بالطرف المقابل؟ كم تتسع مخيلتنا لمبررات حين يتعلق الأمر بمن حولنا؟

"التبرير شرف أصيل لا تمحه لأي أحد" يضيق معظم الناس ذرعًا حين يتعلق الأمر بالتبرير أو حسن الظن أو الاعتراف بأحقية الشخص المقابل بالفضيلة، وإنني أعتقد أن إرادة القوة والتميز و الاستحقاق لدينا تمنعنا من منح المسوغات لبعضنا البعض، وحين نخطئ بحق بعضنا البعض نبدأ بنفي المحاسن الأصيلة في الشخص المقابل، عوضًا عن التجرد أو إيجاد مبرر منطقي، وهذا يمنعنا من مواجهة الحقائق، فالحقائق والتقدير الصائب للأمور يحتاج عقلًا يسمو على ضعف النفس وعوزها، وحين يتخفف المرء من الكره والضغينة والمشاعر السلبية تجاه الآخرين، يصبح من السهل تسويغ سبعين عذرًا، أو يزيد، ففي النهاية "من العدل أن يأتي الرجل من الحجج لخصومه بمثل ما يأتي به لنفسه" وإن ظن أنهم لا يستحقون.

والسؤال هنا لماذا يبرع الإنسان في التبرير لنفسه؟

وكيف يمكننا أن نكون عادلين في التبرير لمن حولنا كما نفعل لأنفسنا؟


التبرير من الحيل النفسية اللا شعورية التي يلجأ إليها الإنسان ليقدم لنفسه أعذاراً أخلاقيةً لعمل غير أخلاقي، ويهدف الإنسان من وراء آلية التبرير إلى القضاء على حالة القلق الداخلي وتحقيق الاستقرار النفسي، والإنسان مهما حاول فإنه لا يستطيع أن يعاند فطرة الله المغروسة في أعماقه، فيسعى إلى حالة من الوفاق والانسجام مع هذه الفطرة، لذا فإنه يبحث دائماً عن مبرر أخلاقي لكل عمل يقوم به ليسكت تأنيب ضميره، ويقضي على حالة الصراع الداخلي. كما أنه لا يستطيع أن يعيش في حالة من تأنيب الضمير والصراع الداخلي، فيلجأ إلى تقديم مبررات يخادع بها نفسه لتسكينها، أي أن الإنسان لا يكتفي بخداع الآخرين والكذب عليهم بل يخدع نفسه أيضاً ويكذب عليها.

لعل هذه الآلية كانت حاضرةً في اجتماع إخوة يوسف حين تآمروا على أخيهم الغلام البريء، فكان لا بد من البحث عن مسوغ أخلاقي يجمل قبح جريمتهم في أنفسهم، ويكون عوناً لهم حتى لا يترددوا في تنفيذها فكان هذا المسوغ: "يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين".

قدرة الإنسان على التبرير قد تصل لحد تبرير قتل الأطفال، والسبب أن غاية المرء تبرر وسيلته، أو لنقل خطاياه في سبيل الغاية الكبيرة المرجوة وهذا أمر يستدعي الإمعان فيه