12

مفارقة سليمان: حين نتمكن من حل مشكلات الآخرين ونعجز عن حل مشكلاتنا..!

  • minablog

الكل حكيم ما دامت القصة ليست قصته. لدى الناس حلولًا لأغلب المشكلات تقريبًا. إن كنت في شك من ذلك، انشر مشكلة قد واجهتها في منتدى أو موقع تواصل اجتماعي، وستجد وابل من النصائح حول كيفية مواجهة وحل تلك المشكلة.

حين نرى ذلك، سنعتقد أن هؤلاء الناس لا يواجهون أية مشكلات؛ فلديهم حلولًا لجميعها تقريبًا. ولكن حين نعرف أحدهم عن قرب، سنجده يعاني من مشكلات عديدة في حياته، وهذه هي مفارقة سليمان Solomon paradox.

وهي أننا نكون أكثر حكمة في حل مشكلات الآخرين، ولكن حين تدخل نفس المشكلة لحياتنا، تتركنا حكمتنا وتخرج من الجهة الأخرى.

قد ترى أن هذه المفارقة تدعونا لعدم نصح الآخرين أو المساهمة في حل مشكلاتهم، وذلك لعلمنا أننا غالبًا سنعجز عن حلها لو كنا نواجه نفس المشكلة، ولكن هناك وجهة نظر أخرى: حين يواجه أحد مشكلة، فهو يحتاج لآخرين يقدمون له النصح والأفكار لمواجهة المشكلة. خاصةً حين نتحدث عن المشكلات بين شخصين أو أكثر، فإن كل فرد يكون منحازًا لنفسه ولا يرى المشكلة سوى من زاويته، مما يمنعه من التفكير بحيادية ووضع نفسه موضع الآخرين، ما يجعل حل مشكلته أصعب.

أما الآخرين خارج المشكلة، فهم يمكنهم الجمع بين عدة زوايا للمشكلة، وبالتالي تزداد احتمالية تقديم حلولًا فعالة.

عمومًا، حين نواجه مشكلة ما، ومهما بلغت حكمتنا، نحتاج لسماع نصائح ومقترحات الآخرين. كذلك من الجيد مساعدة الآخرين حين يواجهون مشكلة، حتى لو لم نمر بها؛ فقد تضيف لهم رؤى جديدة بالفعل، وذلك لا يقلل من قدرهم، فنحن نعرف الآن مفارقة سليمان.

ولكن يبقى من الصعب أو غير المقبول أحيانًا تقديم نصيحة للآخرين، مما يجعلني أسألك: كيف تفعل ذلك خاصةً إن كنت تعلم أنك أقل سنًا وخبرة ممن أمامك؟ كيف تقدم نصيحة دون أن تبدو نصيحة؟


أتعلم، المشكلة ليست فيمن يتشجع وينصح، بل فيمن يرد عليه: انصح نفسك وحل مشاكلك أولاً! أي أن الطرف الآخر هو الذي لا يقبل سماع نصيحة من شخص قد يبدو واقعا هو نفسه في مشاكل لا يعرف للخلاص منها طريقاً. على العموم فبعد تأمل وتجارب أجد أن الأفضل بموضوع النصح هو أن يبذل لمن يطلبه، وإلا فإن الإنسان يتعب فكره وذهنه بأمور الآخرين بدون جدوى وقد يسمع فوق ذلك عبارات مؤذية جزاء على تعبه! والأولى أن ينشغل بمشاكله وأموره ويقدم الخير لمن يريد فقط.

بل فيمن يرد عليه: انصح نفسك وحل مشاكلك أولاً!

هذا ما كنت أفعله ويفعله الكثيرون أيضًا، وأراه أحيانًا أمر مُبرَر، خاصةً حين يتحدث الناصح بنبرة يبدو فيها تكبُّر أو لوم للمنصوح، وللأسف أغلب الناس لا يدركون مدى أهمية تقديم نصيحة، وهي لن تفيد الواقع في صاحب المشكلة فحسب، بل ستفيد الناصح أيضًا.

ثمة عدة دراسات توضح أن النصيحة قد تفيد الناصح كما تفيد المنصوح وربما أكثر، منها دراسة وجدت أن الطلاب العاديون حين قدموا نصائح لطلاب آخرين حول التفوق الدراسي، فهم أنفسهم -الناصحون- ارتفعت علاماتهم الدراسية أيضًا*، كذلك الأمر بالنسبة لمن يعانون من السمنة وينصحون "كيف تفقد وزنك" أو الشخص الأقل من العادي الذي يتحدث عن "كيف تكون ناجحًا؟".

* رابط الدراسة لمن يود المطالعة: https://www.pnas.org/doi/10...

أعتقد أنه يجب أن نغيّر نظرتنا للنصيحة. عادةً الشخص الذي ينصَح آخرين هو يريد أن ينصح نفسه (الحاضرة أو الماضية أو المستقبلية) ولكن تخرج نصيحته لنفسه على هيئة نصيحة لشخص آخر؛ فالشخص الذي يود أن يكون سعيدًا من الشائع أن ينصح حول "كيف تصبح سعيدًا؟" والشخص الذي يود أن يحقق نجاحًا سيوجه نصائح حول "كيف تنجح؟" وهو في الواقع يريد أن يفيد نفسه أولًا..لذا اعتقد أن تلك النظرة -أن الناصح ينصح نفسه أولًا- ستجعلنا أكثر تقبلًا للنصيحة دون أن نقول: "انصح نفسك أولًا"..هو بالفعل ينصح نفسه، ولكن بصوت عالي قليلًا..هو يرى الشخص الآخر كنفسه..يحب الشخص الآخر كنفسه..فينصحه كما ينصح نفسه!

كلام سليم وأتفق معك. وليت معظم الناس يدرك هذا. وللأسلوب طبعا أهميته في تقبل أو رفض النصح، لكن على المنصوح أن يجاهد نفسه لتحييد أسلوب ونبرة الناصح والتركيز على الكلام فقد يكون كلامه غاية في الأهمية، تماما مثل كلام ونقد الأعداء الذي قد يكون سببا في كشف الثغرات وتطويرها!