"الحجر من عند الحبيب تفاحة!"

بهذا المثل الجزائري أثير تفكيري لأبحث عن تعريف هذا الشعور الذي يدفع الإنسان ليقول أمرا مماثلا!

تخيلت المثل يحدث واقعيا فتصور لي شخص يرمي حجرا على آخر فيدميه، والآخر يبتسم وهو سعيد لانه يرى الحجر تفاحة طازجة ولذيذة!

هل هو مرض؟! أم جنون إنسانس لذيذ؟! ام هو ظاهرة لها أهداف سامية تدفع بالإنسان للبحث عن الجال كما يقول بعض الفلاسفة؟

بالحديث عن الفلاسفة، فإنني كلما قرأت رأي أحدهم عنه أشعر انه يحتوي على جزء من الصحة، فمنهم من يرى ان الحب هو علة والم مثل أدباء وعلماء العرب، كالرازي وإبن سينا وغيرهما... 

ومنهم من يقول إنه دافع غريزي جنسي لا أكثر.

ومنهم من يقول أن الحب يكون بين الإنسان والله، وينبثق ليصل إلى الناس بين بعضهم البعض.

ما وصلت إليه في الأخير هو أنه لا احد وصل فعلا لجعل تعريف الحب ثابتا... بل أصبحت أرى ان حلاوته وشهرته تكمن في غموضه! بالرغم من أنني أرى أنه ليس الأساس حقيقة، فهو رزق من الله في الأخير مع رغبتنا الملحة وتمنينا المتكرر في الوصول إليه كلنا، لما نرى فيه من جمال وفرحة وانتشاء المحبين، بمعنى أنه من لا يرزق به فهذا لا يعني بالضرورة عدم القدرة على العيش بسلام. الأهم والأرقى هو المودة والرحمة، لأن الإنسان الرحيم الذي يتسم بالكرم إن لم يحبك فلن يؤذيك، أما اللئيم وإن كان يحبك فمن الممكن أن يؤذيك. 

ما هو تعريفكم للحب؟ وهل ترون أن غيابه في العلاقات مع وجود الكرم و الإحترام والتقدير يعرقل الحياة ويوقفها؟ وهل وجود الحب وحده يكفي لبناء حياة سعيدة؟


ما هو تعريفكم للحب؟

ملاحظة،

التعريف يعني الحصر والتحديد، لكن إن كان للحب حد فلن يبقى شعورا!

هذه بعض الفقرات اقتطفتها من رسالة كتبتها بمناسبة عيد الحب...

رُبَّ سائل يسأل عن ما الذي يمكن كتابته عن الحب، والحقيقة أن كلمة "حب" قُتلتْ بحثا وكتابة ودراسة، ومع ذلك يبقى الجواب الشافي هو أن من غير الممكن أن تكتشف شعور الحب بالقراءة أبدا. ولا بالكتابة عنه.

يتطلب الحب هكذا جرأة كبيرة في تحمل ألم العاطفة والوجدان، يتطلب تحمل مزيد من الصبر حتى نعرف ما يسكن أعماقنا الميتافيزيقية، وما يخالج المشاعر التي تسكن طبقاتنا الصامتة من زمننا النفسي. فالحب نوع من الطرق لاكتشاف الذات، باعتبار أن كل عملية تواصل مع الآخر، تعني مزيدا من معرفة الذات.

...

- في الحب والجسد، أ من علاقة هناك؟

إن الحب له ارتباطات نفسية وجسدية، كما لو أنه يحاكي تلك العلاقة القائمة بين الطبيعة والثقافة، فالطبيعة تشدنا نحو الجسد، والثقافة إبداع إنساني روحي. والغريب أن كلود ليفي ستروس (أحد الأنثروبولجيين) يذهب إلى أن لقاء الرجل والمرأة هو الأرضية التي التقت عليها "الطبيعة" و "الثقافة" أول مرة. بمعنى أن الثقافة ولدت لأول مرة من لقاء الرجل والمرأة، أي من تعرف الإنسان على عالم المُثُل العليا.

والحقيقة أن تحقق الحب بين الرجل والمرأة، لم يكن في مسرح سمائي (روحي)، بل كانت ولادته في أحضان العلاقة الجنسية. لكن لم تكن هذه العلاقة صافية، لو لم يتوفر للإنسان قدر من الوعي لإدراك الذات، فكانت الثقافة هي بالضبط مزيدا من التعرف على الذات، وهذا التعرف جاء نتيجة العلاقات الإنسانية. ونموذجها علاقة الجنس الصافية، أي الحب الدائم.

...

الحاضر،

في الحقيقة لقد درس "زيجموند باومان" علاقة الحب، في كتابه "الحب السائل" وقال أيضا بصفائية "العلاقة الجنسية"، لكن إضافته التي تصف حاضرنا ميؤوس منها، فهو وصف العلاقة الصافية في حاضرنا بقوله: "ظهرت علاقة أكثر صفاء من" العلاقات الصافية"، إنها علاقة تشير إلى لقاء عابر لا يستهدف إلا اللذة المتعة. إنها سعادة حالمة بلا روابط" ويضيف "إنها أكمل تجسّد للحرية".

إذن، باومان، قال بتحرير الجنس... هذه مناسبة للحديث عن الحب.

في الحقيقة إن أقصى ما يخشاه حاضرنا هو أن نسأل عن حضور الحب فيه! لماذا؟ لأن تحرير الجنس قاد إلى تحرير الحب، ونفيه إلى الماضي.

...

- كيف تفتقت الروابط الجنسية بين الرجل والمرأة حتى أصبح الحب في حالة اغتراب، وأصبحت العلاقات بين عابرين يستهدفان اللذة المؤقتة؟

هذا سؤال مخيف، انطلقت لتحليله، إلى حقل الدراسات النفسية، وقلت بما أن الجنس هو المفهوم النمطي السائد في الساحة الثقافية الراهنة، اهترت فرويد، فوجدته يرى في "الحب تعبيرا عن الغريزة الجنسية"، وقصة نظرية فرويد هذه انتهت كلها بأن وُجِّهَ النقد إليها بسبب إفراطها في تقدير الجنس. وهذا "إريك فروم" المختص في علم النفس والفلسفة، يقول في كتابه "فن الحب" موجها النقد لنظرية فرويد، بقوله أن المشكل لا يكمن في أن نظرية فرويد قد أفرطت في التركيز على الجنس، بل في فشل فرويد نفسه في فهم الجنس بشكل عميق. وبدلا من أن يتبين أن الرغبة الجنسية هي مجرد تجلٍّ من تجليات الحاجة إلى الحب والاتحاد مع ذات أخرى، ذهب فرويد إلى أن الحب مجرد تعبير عن الرغبة الجنسية.

....

قصة الحب تنتهي بمجموعة من الارتباكات حين نقاربه بمفهوم الجنس.

...

الحب الكلي،

يمكن تحديد الحب بفصله عن مفهوم العلاقة، الحب ليس علاقة بشخص ما، الحب هو موقف وجودي من علاقتي بالعالم من حولي، والأشخاص فيه. لا علاقة بشخص، بموضوع معين. فليس انتظار الشخص المطلوب هو انتظار الحب بالضرورة. الإنسان يبني حبه ويتكون في ذاته منذ احتكاكه الوجداني بالعالم من حوله، وقد يحدث أحيانا أن يُفرغَ مشاعر حبه هذه في علاقة مع شخص ما. فمثلا إنسان يريد أن يرسم ولكن بدلا من تعلم الفن يزعم أن كل المطلوب هو انتظار الموضوع الحقيقي وأنه سوف يرسم رسما جميلا عندما يجده. لكن الحقيقة لم يكن ليرسم رسما جميلا إن لم يكن قد تعلم فن الرسم طوال فترة حبه للرسم. حبي لشخص ما يعني أنني أحب الأشخاص جميعا، أحب العالم، أحب الإله.

ولا يخفى علينا قول الشيخ الأكبر المتصوف الأندلسي ابن عربي بأن الدين الكلي هو دين الحب، فها هو ذا في إحدى أشعاره يقول:

"- لقد صار قلبي قابلا كل صورةٍ

فمرعى لغزلان ودير لرهبانِ.

- وبيت لأوثان، وكعبة طائفٍ

وألواح توراة، ومصحف قرآنِ.

- أدين بدين الحب أني توجهت

ركائبه، فالحب ديني وإيماني."

..

الحب الأخوي هو حب لكل البشر الآخرين، وهذا الحب يتصف بأنه حب خال من الاستثناء.

وطبعا لا أقصر الحب في مشاعر الأخوة والصداقة، بل يجب أن يتعدى إلى الطبيعة، وأرقى ابداعات الطبيعة هي الإنسان، من جهة ما هو كائن صنع "الفن": الموسيقى، والشعر، والفلسفة.

....

كلمة الختام..

أيها الحب، اقذب بقلبي أينما تشاء، فإنني قادر على حب كل شيء

إضافة ثرية، بين تخبطات الفلاسفة والعلماء وكل ماذكرت... أردت أن أقول لك أن العبارة:

أيها الحب، اقذب بقلبي أينما تشاء، فإنني قادر على حب كل شيء

قد ألهمتني وغيرت في نفسي مفهوما عميقا، أو دعني أقول :ضعفا ما... قضيت وقتا طويلا أحاول فهمه وتخطيه.

دامت أيامك سعادة وحبا للعالم

شكرا جزيلا...

وحقيقة انصدمت قليلا من تعليقك بأن النص قد غير في نفسك شيئا، في حين أنني بدأت الكتابة بهذه الكلامات، التي أصبحت أشك في مصداقيتها الان:

يبقى الجواب الشافي هو أن من غير الممكن أن تكتشف شعور الحب بالقراءة أبدا. ولا بالكتابة عنه.