10

الرفض المجتمعي لمن يخرج عن القطيع

هل نتربى على الإنصياع خلف القطيع ومن يخالف نراه دائما بالسوء، فالبعض يخالف ليُعرف فقط اتباعاً لنظرية خالف تعرف، والبعض الآخر يخالف عن قناعة فعلا، فنجد في هذه الحالة الكثير يهاجمونه لمجرد مخالفتهم ويحملون رايات التنديد ويصل الأمر أحياناً لنبذه عنهم بالطبع، أتكلم هنا عن تصرف غير مخالف للدين لكن ربما يكون مخالف لقيم المجتمع أو للعقل الجمعي فما هو العقل الجمعي وماذا يعني؟

 العقل الجمعي ظاهرة نفسية تفترض فيها الجماهير أن تصرفات الجماعة في حالة معينة تعكس تصرفاً صحيحاً، ويتجلى هذا التأثير عندما تفقد الجماهير القدرة على تحديد ما هو المناسب في موقف معين، فاتباع الجماعة سيكون أسلم حل، وهو الصحيح بالتأكيد وهنا يحدث انصياع كامل لرأي الجماعة بل ويتولى البعض أحيانا راية الدفاع والتأييد بكل قناعة ونفسه مطمئنة ومرتاح البال والبعض الآخر يحمل راية الهجوم والنقض والنبذ لمن خالف القطيع وفي قرارة نفسه يقوم بذلك لمجرد ألا يتميز أحد عنه فنكون كلنا سواسية أو لأن المخالفة فيها إضرار بمصالحه الشخصية.

مثلا في مجتمع تتزوج فيه البنت عند عمر 18 سنة ويسلك الجميع ذلك عن اقتناع وترحيب وفجأة يظهر أحد الآباء الذي يقرر ألا تتزوج بناته وتكملن تعليمهن للوصول لقدر معين يراه مناسب ستجده بالطبع منبوذا في وسط مجتمعه لأنه خالف فمن يظن نفسه.

وللأسف يتجلى هذا أحياناً في أمور مخالفة للدين لكن الكل اجتمع عليها فلا بأس باتباع القطيع ونتناسى أمر الدين تماما مثل الثأر في صعيد مصر مخالف للقانون والدين فأنت تعيش في دولة وسيادة القانون هي الحاكمةفي هذا الأمر، وهي من تنفذ الأحكام ولكن من يتراجع عن الثأر سيُنبذ ويُسب ويتهم بأبشع التهم لمجرد مخالفته بغض النظر عن أي شيء آخر.

الخلاصة ليس الإجماع على أمر ما بالضرورة صحيح وليس الخروج دائما أيضا صحيح، فلا أؤمن بقيم تخالف الدين لمجرد أنها السائدة ويجب إحكام العقل قليلاً.

من تجاربكم هل سبق أن اتبعت القطيع منصاعاً لمجرد أن ترفع عن نفسك الحرج ؟ أو خالفت وواجهت الرفض المجتمعي من حولك وماذا فعلت؟


مسألة الرفض المجتمعي شبيهة بأن علي أن ننظر جميعنا لنفس اللوحة، ونفهم كلنا نفس الفهم، هذا مرتبط بالفطرة، فكلنا حين نتصرف نظن أن الجميع يفكر مثلنا، ينظر مثلنا..

مثلا لأننا بشر فجميعنا لدينا عينين، أذنين، فم واحد، على اختلاف الّألوان والملامح، جوهريا لدينا نفس الخصائص، فبرمجيا يعتقد الجميع فكريا ونفسيا أننا متشابهون داخليا، لهذا تجدين الكثير لا زال يرفض فكرة المرض والاضظراب النفسي، ظنا إذا كان معافا، فالجميع في صحة نفسية جيدة، إذا كان هو نرجسيا، فهي مسألة عادية، والجميع يحب نفسه..

وبخصوص فكرة التي أسقطت عليها الزواج في ثمانية عشر سنة، ليست إن صح القول عامة لدى الجميع، أو المجتمعات، بدأت أرى أنها تتحول، حتى الجدات والنساء ترى أن السن الجيد هو أواسط العشرينيات، لأن معدلات الطلاق ارتفعت، والجيل الصاعد أبان على عدم مسؤوليته، أجد العديد من الأمهات حاليا ترفض زواج الفتاة، وحتى الأب يرفض الآن، ويقولان أنهما يران الفتاة تمسك الهاتف طوال اليوم، ولا مسؤولية لها، ولدينا الرجل الذي يعلم فتياته يحترم، وهذا بالطبع في المدن بشكل كبير، والمثال الذي ضربت أكثر شيوعا في القرى والريف..

بشكل عقلاني قد يكون الزواج لفتاة بلغت 18 سنة أكثر صوابا بالنسبة لأب قروي، ففي القرى نسمع إحداهن هربت، أو أحداهن حامل دون علم والديها، وأخرى متورطة في جريمة شرف، أصبح الآباء يخافون، ويرى الحل الأصوب هو أن يزوجها حفظها لها..

العديد من القرى لا مدارس فيها، ولا جامعات، ولا ثانويات حتى، الأباء مجرد فلاحين، يعمل معاش يومه فقط، يفكر كيف ستذهب الفتاة إلى مدينة أخرى، وجامعة أخرى، أولا عليه أن يضع راتبا لها لتغطية المصاريف، خاصة سيرسلها في عمر 18 سنة حين تتخرج من الثانوية، ويعرف أن ابنته غير مسؤولة، وقد يضحك عليها أي حد..

يكون الحل أن تنهي دراستها في القرية، تجلس تطبخ وتساعد ولتتزوج..

الإشكال هنا ليس الزواج، فالزواج أمر صحيح، وليس عقلية قطيع، مشرع قانونا ودينيا، لكن الإشكال: لماذا أصبح كالمسلمات؟

هذا مجرد مثال وبالفعل منتشر بكثرة في التجمعات الفقيرة والصغيرة وربما الجاهلة

ولكن المساهمة تتناول بشكل أكبر رفض الجماعة لأي رأي خارج عنها فما رأيك هل واجهتي ذلك في حياتك؟

مسألة الرفض عشتها لكن بشكل لحظي ولم يكن لها نفس الثأثير المضخم الذي تحدث عنه انت في المساهمة، حين تخليت عن الشعبة التقنية، واخترت الشعبة الأدبية، بدأت أرى استغرابات ورفضا من العديد وتكهنوا أني وأدت مستقبلي يبدي..

لكن القافلة تسير، لا أحد سيكون معك في اختياراتك، مسألة الرفض والقطيع هشة بالنسبة لي، لأن الرفض من المجتمع هو وسيلة يتم ممارستها عليك لأنك أنت من اخترت في البداية أن يكون لك جزء منهم..

حاليا كل قراراتي لا أحد له الحق حتى في رفضها، لا أختلط لا مع الجيران ولا الأصدقاء والعائلة مجرد مناسبات تجمعنا، أسرتي ليست من النوع المتحكم، افعل ما تشاء..

ما دمت اخترت اليوم الأول أن تكون جزءا من الجماعة، فتحمل المسؤولية..

الكثير يحب أن يخلتط ويخرج من الناس ويصنع علاقات شعبية وكبيرة، وحين يواجه الرفض يجد نفسه مستغربا، لا عزيزي، مادمت اليوم الأول أقحمتهم في حياتك، فستجدهم قضاة ومشرعين لأحكامك وقواعدك

كل من يواجه طالما عن قناعة يتوقع الرفض بالتأكيد لكن بإصراره مع الوقت سينجح أن يتقبله المجتمع ومع الوقت سيبدأ من يقول ولم لا.

لماذا سيسعى الإنسان لتقبل المجتمع من البداية؟

هل غايتك أن تسعي وفقا لتقبل المجتمع، إن كان هذا صحيحا، فسنتحول جميعنا لنسخ متشابهة صنعنا قبول المجتمع..

عليك أن تعرفي أنه مهما قمت به، ومهما صنعت، ستضلين تسعين للبحث عن الرضا دون حل، وكأنك تسكبين الماء في الرمل..

لذا اتبعي ذاتك وحسب، وولا تتركي أحدا يملي عليك أو يحاسبك، لم نخلق للتقبل، بل للسعي لما نرغب به

اعجبني تعليقك