ماذا يفعل الإنسان حين ييأس؟

Mahmoud_Wagih

إذا لم أخطئ التشبيه، يمكنني أن أعد يأس الإنسان بمثابة مادة تلتقفها النيران، فتحرقها، لا تنتهي هذه المادة من التواجد، لكنها تأخذ حالة مغايرة، هذه الحالة هي أسوأ حالاتها، حيث أنها لم تتغير إلى حالة يمكن الاستفادة منها، وإنما هي حالة متطرفة، برائحة كريهة، ومظهر غير مرغوب، وعلى اختفاء طبائع المواد، تختلف طريقة الاحتراق، فهناك مادة تصبح رمادًا كالورق، وأخرى تسيح كالشمع، وثالثة تغلي وتسود كالزيت، ونحن البشر حين نيأس يتبع كل منها أسلوبه الخاص في التطرف. 

الانتحار 

أعتبر الانتحار واحد من أشكال التطرف في السلوك، فحيث أن التطرف مرتبط بالعنف تجاه الآخرين، فإنه ينطبق أيضًشا على العنف تجاه الذات، يعتقد الطب النفسي أن المنتحر يمر بتجربة نفسية مؤلمة للغاية عند إقدامه على هذا الفعل، الذي يعتبر انفجار مدوي لاستسلام والسقوط. 

الجريمة 

ترتبط الجريمة بالتطرف، لكن ربط التطرف بالدين فقط خطأ كبير، لأن التطرف يمكن أن يكون في أي توجه، إن الإنسان الذي يأس من أن القواعد الأخلاقية والقانونية سوف تعيد له حقه، أو ظن أن النظام سيكفل له حياة كريمة ثم لم يتحقق هذا، سينقلب على تلك المعايير، ويصبح بلا أخلاق وبلا ضمير، ليس هناك نقاش على أن هذه الطريقة في التفكير خطأ، وهي أسلوب الضعفاء الذين لطالما اعتادوا على إلقاء اللوم على الغير، لكنها أيضًا صورة من صور اليأس وبالتالي التطرف. 

أمراض نفسية تعبر عن اليأس 

الكتاتونيا 

هي حالة نفسية يدخل فيها الشخص في حالة سبات تام، فهو لا يتحرك، لا يتكلم، بالكاد يشعر، وكتاتونيا تعني (جثة)، يصل الإنسان إلى الموت النفسي بعد تلقي قدر كبير من التوبيخ، عدم الرضا عن سلوكياته من من حوله بشكلٍ دائم، دائمًا ما تكون تصرفاته مدعاة للنقد والتحقير والسخرية والإحراج، حيث يصدر اللا وعي أمرًا بالتوقف التام عن الفعل، لأن مجرد الفعل يجلب الألم، ومن الضروري أن يتوقف بالتالي عن الفعل ليتجنب الألم النفسي الناتج عنه، كأنه يأس من فعل أي شيء، وفضل العيش كجثة. 

المازوخية 

بعد أن ييأس الإنسان من صد ما يتعرض له من عنف بدني ونفسي وتحكم وسيطرة من غيره، يعمد إلى استعذاب الألم وحبه، ثم يبلغ به الحب حد الإدمان، وليس هناك تعبير عن اليأس أقوى من هذا المرض. 

وأنت كيف ترى اليأس حين يتملك من الإنسان؟ هل هناك حالات غير هذه؟ وكيف نحول دون وصولنا لهذه المراحل؟


هذه بلا شك سلوكيات سلبية، وردود أفعال خاطئة، تُعمِّق المأساة، وتورث الضلالة.. ويجب علينا عند حلول المصائب أن نلتمس الحلول المعينة على تجاوزها، بدلاً من تعميق المشكلة أكثر وأكثر.

قال تعالى: “ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ”

وقال تعالى: {‏وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}.. لعلهم يرجعون!

-

و"الابتلاء سنةٌ ماضيةٌ باقيةٌ في خَلق الله؛ لا يخلو منها زمانٌ ولا مكانٌ ولا إنسانٌ؛ بل إن من حكمة خَلقِ الله تعالى للإنسان أن يبتليه؛ قال الله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الإِْنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) وقال: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {1} الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)"

وآيات القرآن هي العلاج لمن أصابه القنوط، وهي المفتاح لفهم واقع هذه الحياة الدنيا.

وما أجمل آيات القرآن التي تتحدث عن هذه المعاني. (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم)،  (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم)،

-

وكيف يرفع البلاء؟

(ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب)

(وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون)