معاناة فئة البين بين.
هناك فئة تعشق القراءة، وعاشت، ولازالت، معها أزهى سنوات العمر.. فالقراءة صارت معهم كالماء والأكل والنفس، حياتهم معها مستقرة، ويتلذذون برتابة وجودها في حياتهم كما يتلذذون بروتين الأكل؛ لأن الجوع للأمرين يتجدد كل يوم؛ بل كل ساعات، فإذا جاعوا.. أكلوا.. وقرؤوا.. بكل بساطة، بلا توتر ولا قلق ولا مجاهدة.
وهناك فئة أخرى تكره القراءة، أو لا تكره القراءة ولا تحبها، وإنما لا تعني لها شيئا، فهي تلتقط معاني الحياة من المخالطة والتأمل والكفاح اليومي في مواجهة البشر، وتجد مشارب أخرى تنتفع منها وتنفع، وهي مكتفية بذلك، ومتصالحة مع فقدان العمق الذي تمنحه لك الكتب إذا أوفيتها حقها، وهي بلا عمقٍ سعيدة، ونافعة.. ومرتاحة البال.
وهناك فئة البين بين، فهم يعشقون القراءة كما يعشقها أهل الفئة الأولى؛ بل ربما أشد، لكن العلاقة متوترة، فتارة يسعون لها سعيًا، ويأنسون بها في أيامهم ولياليهم، ويلتهمون الكتب التهامًا، وتارةً ينفرون منها، ويهجرونها، مع تأنيب مستمر؛ لأنهم يدركون ما فاتهم جيدًا بهذا الهجر؛ بل يشتاقون لها، لكنّ أمرًا ما يقيدهم عنها.
وهم في هذه الحال بين إقبال وإدبار،
ما السبب برأيكم؟
وهل يتعايشون مع هذه الحال، فيقبلون إن أقبلت أنفسهم عليها، وينصرفون لأمور أخرى حين تنفر نفوسهم؟
أم أنه لا يليق بمن صعد لمهارة أن ينزل عنها؟
وإذا كنت من هذه الفئة، فكيف تتعامل مع الضمير المؤنِّب لك؟
لقد مررتُ بجميع المراحل هذه
مرحلة حُب الكتب حباً جماً منذ كنت في الثالثة عشر من عمري وحتى سن العشرين، قرأت كل شيء وقع تحت يدي، كنت أصاحب الكتب كثيراً وتكبر داخلي الرغبة في البحث والاكتشاف، خصوصاً الروايات التي بها قضايا ثورية أو فكر سياسي لكن مع الوقت أصبحت اتجه للفلسفة ومن خلالها شعرت بفجوة كبيرة بين ما أعيشه واقعاً وبين ما هو في رأسي لدرجة أنني وصلت لقناعة أنني لن استطيع خارج فكر الكتب والروايات ومثاليتها وحين دخلت الجامعة واجهت عالم مختلف، عالم عليّ من خلاله أن أكون شخص يعيش في هذا المجتمع ويتجاوب معه بعيداً عن مثاليات الكتب.
أذكر حصل معي بهذا الصدد، حاججت دكتور بورقة عمل علمية بشكلٍ بحت للأخطاء النحوية فيها حين وزعها علينا لأنني كنتُ قد تشربت معظم قواعد اللغة من الكتب التي كنتُ أقرأها، ضحك عليّ الجميع وقتها لكنه أعطاني الورقة على الحاسوب عكس الأخرين وطلب مني تعديل الأخطاء النحوية وقد فعلت وطلب من الجميع تمزيق النسخ الورقية معهم وأعاد توزيع النسخ المعدلة.
لكنّي في أوقات كنت أتدخل تدخلات نقاشية بعيداً عن الواقع فأحرج وأحرج نفسي بعض الأحيان إلى أن تعلمت أن أضبط نفسي وأحكمها بعد فترة من الوقت، فليس الجميع متفهم مثل هذا الدكتور.
كرهت الكتب لأنني لم أفهم كيف أعيش دونها، وشكلّت لي هاجساً في اتباعها تلك الفترة، هجرت الكتب التي عشت معها أكثر من سبع سنوات وكنت أنهي أكثر من كتاب شهرياً فأصبحت أتجه للواقع للتدريب العملي وللفهم التطبيقي في تخصصي وشعرت بلذة في الأمر ولكنّ ضميري القارئ كان يؤرقني دائماً.
عُدت للقراءة في أوج فترة الامتحانات في السنة الثالثة بعد سنتين من هجران الكتب، وكم كان الأمر ممتع أيضاً، أنني أجد نفسي في المكانين وليس بينهما.
لا يشكل الأمر نزولاً أو هبوطاً في المهارات، إنه إمتزاج ممتع أكثر مما هو مرهق، أن يكون الكتاب في يدك بينما تأخذ فترة استراحة من أمور العمل وأن تذهب للعمل بعد أن تقرأ بعضاً من الصفحات الممتعة.
وأود سؤالك هنا من أين استخلصت فكرة هبوط المهاراة حين يرغب الفرد بحرية كاملة في أن يرتاح من القراءة ليعيش حياة عادية ويتوازن؟
هل كانت لك تجربة؟ أم أنه استخلاص من السياق؟
التعليقات