كان المطر يقرع زجاج النافذة بصوت خافت، كأنه يشاركني ثقل هذه اللحظة. في تلك الغرفة التي شهدت آلاف الخواطر والوعود، جلست أطالع الأوراق المبعثرة والذكريات المتراكمة، وأنا ألتقط أنفاسي الأخيرة في هذه العلاقة التي امتدت ثمانية أعوام كاملة.

ثماني سنوات لم تكن مجرد أرقام في رزنامة الأيام، بل كانت عمراً كاملاً بُني حجرًا بحجر. فيها تقاسمنا الأحلام الصغيرة، والضحكات الخاطفة، والصبر على مسافات الغياب وتقلبات الظروف. ثماني سنوات وروحك توأم لروحي، ووجهك هو الملاذ الذي يلجأ إليه قلبي كلما أرهقته الحياة.

لكن النهايات لا تأتي دائمًا كما نسجتها أوهامنا.

في هذه اللحظة الحاسمة، وبينما أضع النقطة الأخيرة في حكايتنا، لم يكن ألم الفراق وحده ما يمزقني، بل ذلك الأسى العميق على قلبي الموجوع. قلبي الذي أخلص حتى احتسائه للقطرة الأخيرة، ونبض بكل جوارحه لأجلك، واستأمنك على أدق تفاصيله وأسراره. أسفي عليه كيف وضع كل أمله في خيط ذوى مع الأيام، وكيف يقف الآن وحيدًا، يُحصي الخسائر ويمسح عن جدرانه آثار خيبة لم تكن في الحسبان.

أنظر إلى نفسي الآن وأنا ألملم ما تبقى مني؛ أنفاسي تتثاقل وكأن الهواء يمر بصعوبة عبر صدري، كمن يخوض المعركة الأخيرة بعدما أرهقته الحروب. أتنفس ببطء، وفي كل شهيق أستحضر ذكراً لك، وفي كل زفير أترك جزءاً منك يغادرني إلى غير رجعة. ليس كرهًا، ولا قسوة، بل لإنقاذ ما تبقى من هذه الروح التي استُنزِفت.

وداعاً للسنوات الثماني، وداعاً للحلم الذي طالما تمنينا اكتماله، وسلامٌ على قلبي الموجوع وهو يترجل بعزة، يعيد ترتيب أشلائه، ويتعلم كيف ينبض من جديد بعيداً عن ديارك.


كلما تختبرنا الحياة بمواقف كهذه نقف بصعوبة ولكن نصبح أقوى ، ما رحل وكان يستحق ذلك فلا نرثي بقاءه...، وتصبح الاطلال ترى مع بزوغ الشمس وتختفي فور ذلك لتطع شمس الأمل من جديد في اماكن نستحق الوقوف على نقاء ارضها...