كان صيف 2010 مختلفًا في كل شيء. لم يكن مجرد فصل من فصول السنة، بل كان فصلًا شعوريًا، كأن الزمن توقّف فيه ليمنحنا لحظة متكاملة من الدهشة. شمسٌ لاهبة تلوّن الجدران بالذهبي، نسيم البحر يلامس الوجوه بلطافة، ورائحة الملح تختلط بصوت الموج وضجيج الصغار، بينما في زاوية أخرى من الصورة... كانت كرة القدم تتربع على عرش كل شيء.

⚽ كأس العالم جنوب إفريقيا: الحدث الذي لا يُنسى

كأس العالم 2010 لم يكن مجرد بطولة. بل كان طقسًا جماعيًا. الكوكب كله كان يتنفس عبر شاشات التلفاز، وقلوبنا نحن كانت تنبض على وقع صافرة الحكم وصوت المعلقين.

كنت حينها في الثانية عشرة من عمري. صبي صغير، لا يمتلك جهاز تلفاز خاص، ولا اشتراكًا في قناة رياضية، لكنه يمتلك قلبًا كبيرًا وشغفًا أكبر. كنت أستيقظ باكرًا، أتناول فطوري على عجل، ثم أركض نحو البحر. نغتسل بالشمس ونلعب حتى التعب. لكننا لم نكن ننتظر المساء للنوم، بل كنا ننتظره لأن المباراة التالية على وشك أن تبدأ.

☕ المقهى: مدرجنا الأول

المقاهي كانت نقطة التجمع الرئيسية. كل مقهى كان يشبه مدرجًا صغيرًا في ملعب شعبي. الكراسي متراصة، الوجوه مرفوعة، الشاشات عالية، وصوت قناة الجزيرة الرياضية يملأ المكان وكأنه إعلان رسمي بانطلاق المسرحية.

عصام الشوالي، حفيظ دراجي، رؤوف خليف... أصواتهم أصبحت مألوفة مثل أسماء أفراد العائلة.

كنت أجد مكاني الصغير عند باب المقهى. لا أطلب شيئًا، لا أزعج أحدًا، فقط أراقب. أتابع المباريات كما لو أنني في الصف الأول من حياتي. أتذكر جيدًا ذلك المساء الذي جمعت فيه المباراة بين غانا وأوروجواي. كانت القلوب كلها مع ممثل إفريقيا. الهدف يلوح في الأفق، ثم تأتي يد لويس سواريز كضربة غادرة. ضاعت ركلة الجزاء، وضاع الحلم. جلست على الرصيف، وقلبي الصغير لا يفهم تمامًا معنى الخسارة، لكنه شعر بمرارتها.

🎶 Waka Waka: أغنية صيف العالم

وفي الخلفية، كانت أغنية Waka Waka تدور دون توقف. شاكيرا كانت النشيد الرسمي لنا. نردد الأغنية ونحن نلعب في الأزقة، نغنيها على الشاطئ، ونرسم رموزها على دفاتر المدرسة. كانت رمزًا للصيف والمونديال والحياة التي لا تعود.

🕰️ تفاصيل صغيرة لا تُنسى

أيام المونديال كانت تبدأ مبكرًا وتنتهي متأخرًا. بين فترتي الظهيرة والمساء، كان التحليل يبدأ، والتوقعات تملأ النقاشات. كنت أكتب تشكيلة الفرق في دفتر الرياضيات، وأراهن مع أصدقائي على النتيجة.

المقهى يتحول إلى برلمان شعبي: كل شخص لديه رأي، وكل لحظة تحمل جدالًا جديدًا. في لحظة من اللحظات، أدركت أنني لا أتابع المباريات فقط، بل أعيشها. كرة القدم لم تكن مجرد لعبة، بل جزءًا من ذاكرة الطفولة، من طقوس الصيف، من صوت البحر، من بساطة ذلك الزمن.

واليوم، بعد أكثر من عقد، ما زال صيف 2010 هو الصيف الذي أقيس عليه كل صيف. وما زالت صورة شيبالالا وهو يحتفل، وصوت المعلق وهو يقول "يا سلام"، أقوى من كل الذكريات الأخرى.

إنه صيف البحر والمونديال والجزيرة الرياضية...

صيف لن يتكرر.